ملايير دعم “الأضاحي” في مهب الريح.. غلاء الأضحية يجر وزراء للمحاسبة

ملايير دعم “الأضاحي” في مهب الريح.. رسالة مفتوحة إلى لجنة تقصي الحقائق بالبرلمانية
خلية التحرير الإثنين 1 يونيو 2026 - 11:20

أش واقع تيفي / هشام شوراق

لم يعد الصمت ممكناً أمام المشاهد المؤلمة التي عاشتها الأسواق المغربية خلال موسم عيد الأضحى الأخير، حيث تحولت شعيرة دينية مقدسة إلى عبء مالي ثقيل يهدد السلم الاجتماعي لآلاف الأسر، إن مفارقة الوفرة والتهاب الأسعار تكشف عن خلل بنيوي خطير لا يمكن التغاضي عنه، إذ كيف يعقل أن يتجاوز العرض الوطني من الأغنام والماعز حاجز الثمانية ملايين رأس، في حين تعجز الأسر ذات الدخل المحدود عن اقتناء أضحية العيد، هذا التناقض الصارخ يسائل مباشرة جدوى السياسات الحكومية المتبعة، ويضع مصداقية التدابير المتخذة على المحك أمام الرأي العام الذي بات يشعر بالخذلان الشديد من وعود التطمين.

إن الخطوة التي تعتزم فرق ومجموعات المعارضة البرلمانية اتخاذها بجر وزراء الفلاحة والداخلية والتجارة إلى المساءلة هي خطوة دستورية مستحقة، بل إنها تأخرت كثيراً بالنظر إلى حجم الضرر الذي لحق بجيوب المواطنين، إن استدعاء المسؤولين بعد انقضاء العيد يجب ألا يكون مجرد طقس سياسي لتصريف المواقف أو تسجيل النقاط الحزبية، بل يجب أن يتحول إلى منصة حقيقية للمكاشفة والمحاسبة الصارمة، إن نواب الأمة مطالبون اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالوقوف على أوجه القصور ومساءلة الجهاز التنفيذي عن خلفيات استمرار هذا الارتفاع المهول في أسعار اللحوم الحمراء ومشتقاتها رغم التطمينات المتكررة.

وهنا تبرز المسؤولية المباشرة الملقاة على عاتقكم في لجنة تقصي الحقائق البرلمانية، باعتباركم الآلية الدستورية الأرقى لنبش الملفات الغامضة والوقوف على مكامن الخلل، إن لجنتكم الموقرة مطالبة اليوم بفتح تحقيق معمق وشامل يتجاوز التقارير الجاهزة والبيانات الإحصائية الوردية التي تقدمها القطاعات الوزارية، إن مهمتكم لا تنحصر في توثيق الأزمة بل في فك شفراتها، وتحديد المسؤوليات بدقة، ومعرفة أين استقرت أموال الدعم العمومي، ولماذا أخفقت التدابير الزجرية في كبح جماح الجشع الذي ساد الأسواق الوطنية طيلة الأشهر الماضية.

إن اللغز الأكبر الذي ينتظر منكم الشعب المغربي فك طلاسمه هو مصير أحد عشر مليار درهم وضعت تحت تصرف “الكسابة” والمستوردين بدعم من ميزانية الدولة لإنقاذ القطيع الوطني، لقد ضخت هذه الملايير من أموال دافعي الضرائب لدعم الأعلاف المركبة وحماية إناث الأغنام وتشجيع الاستيراد، وكان المبتغى الحتمي هو خفض الأسعار وتخفيف العبء عن المواطن البسيط، لكن النتيجة الميدانية جاءت مخيبة للآمال، مما يطرح علامات استفهام حارقة حول قنوات صرف هذا الدعم، ومدى التزام المستفيدين منه بالدفاتر التوجيهية، وما إذا كان هذا الدعم قد تحول بفعل غياب المراقبة إلى ريع سياسي واقتصادي يستفيد منه القلة على حساب الأغلبية.

وفي سياق متصل، لا يمكن لللجنتكم أن تغفل التدقيق في التضارب الصارخ بين الأرقام والمعطيات الرسمية الموزعة بين وزراء الحكومة أنفسهم، والاتهامات المتبادلة بين الأغلبية والمعارضة حول عدد المستفيدين الحقيقيين من كعكة الدعم، فبينما تتحدث المعارضة عن استفادة مئات التجار والمنتمين سياسياً من غلاف مالي ضخم، تصر الحكومة على حصر الاستفادة في ثمانية عشر مستورداً كباراً لحماية الأسواق من الندرة، إن هذا التباين المقلق في الأرقام يوضح غياب الشفافية ويؤكد ضرورة إخضاع جميع لوائح المستوردين والشركات المستفيدة للفحص والتدقيق المالي، لمعرفة الهويات الحقيقية لمن تحكموا في أقوات المغاربة خلال هذه الأزمة.

كما يتوجب على لجنة تقصي الحقائق التوقف ملياً عند طبيعة التدخلات الأمنية والقضائية التي جرت قبيل العيد، والتي استهدفت في غالبها “الشناقة الصغار” في الأسواق الأسبوعية والمحاشر العشوائية، إن محاربة المضاربة لا تستقيم بقطع ذيولها وترك رؤوسها المدبرة تتحكم في الخفاء بمسارات التوزيع والأسعار لشهور طويلة، إن المغاربة ينتظرون منكم كشف “حيتان السوق” وكبار الشناقة الذين لمستهم تصريحات بعض الوزراء أنفسهم، وتحديد الجهات التي وفرت لهم الحماية السياسية أو القانونية للاحتكار والتحكم في الأسعار وضمان هوامش ربح خيالية على حساب القدرة الشرائية للمواطنين.

إن الحفاظ على توازن القطيع الوطني وبقاء ملايين الرؤوس من الإناث هي إنجازات تقنية لا ينكرها أحد، لكنها تظل بلا قيمة اجتماعية إذا لم تنعكس إيجاباً على معيش اليومي للمواطن البسيط، ما الفائدة من توفر ملايين الأضاحي في الأسواق إذا كانت الأسعار المشتعلة تحول بين المواطن وحقه في اقتنائها بكرامة، وتدفعه للاقتراض أو بيع أثاث بيته لتأمين هذه الشعيرة. إن لجنتكم مطالبة بالبحث في أسباب فشل نظرية العرض والطلب في السوق المغربية، وكيف استطاع اللوبي الاحتكاري إلغاء القواعد الاقتصادية المتعارف عليها وفرض منطق الغلاء الفاحش برغم وفرة العرض.

إن الرسالة الحقيقية التي يجب أن تحملها لجنتكم هي إنهاء عهد الإفلات من العقاب الاقتصادي وربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل فعلي لا صوري، إن تقريركم المرتقب يجب أن يكون صك اتهام واضح لكل من ثبت تورطه في تحويل الدعم العمومي إلى ريع خاص، أو ساهم بتواطئه وتقاعسه في إشعال أسعار الأضاحي واللحوم الحمراء، إنكم اليوم أمام اختبار حقيقي لإعادة الاعتبار للمؤسسة التشريعية ودورها الرقابي، فالشعب المغربي لم يعد يحتمل المزيد من اللجان التي تنتهي تقاريرها في الرفوف، بل يريد حقائق عارية، وإجراءات ملموسة، ومتابعات قضائية تعيد للمواطن ثقته في مؤسسات بلاده.

تابعوا آخر الأخبار من أش واقع على Google News تابعوا آخر الأخبار من أش واقع على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أش واقع على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 30 مايو 2026 - 19:58

فضيحة من العيار الثقيل تهز قطاع الصحة بأكادير: شركة ديال الميناج خدات صفقة ديال التمريض بـ 2 المليار

السبت 23 مايو 2026 - 20:25

سوق أضاحي العيد بأناسي يخرج عن السيطرة.. نداء استغاثة لعامل الإقليم وقائد المنطقة لكسر كواليس السماسرة

الخميس 21 مايو 2026 - 21:08

منتجع مازاغان يرسخ مكانته العالمية باستضافة بطولتين دوليتين للمحترفين في رياضة الغولف

الخميس 21 مايو 2026 - 19:38

عاجل.. السجن النافذ 13 سنة في حق محمد مبديع رئيس جماعة الفقيه بنصالح السابق