الفراقشية تفرشو.. الأغلبية تُسقط قناع “الدولة الاجتماعية” وتصوت لتسمين حيتان المحروقات

خلية التحرير الخميس 18 يونيو 2026 - 12:04

أش واقع تيفي / هشام شوراق

تخوض الساحة السياسية والاقتصادية ببلادنا منعطفاً حاسماً يكشف بالواضح الملموس حدود “الإرادة السياسية” لدى الأغلبية الحكومية الحالية، ويضع شعاراتها الجوفاء على محك الحقيقة، بعد أن أسقطت أحزاب التحالف الحكومي ومعها الاتحاد الاشتراكي، القناع بشكل كامل برفضها الصريح لمقترح تسقيف أسعار المحروقات، وإفشال عودة مصفاة “لاسامير” للخدمة. هذا الموقف لا يمكن تصنيفه إلا في خانة الانحياز الفاضح لمصالح كارتيلات المحروقات على حساب جيوب المغاربة وقدرتهم الشرائية التي أنهكتها موجات الغلاء المتتالية، مما يؤكد أن الاستقواء بالعديد العددي داخل قبة البرلمان بات يُستغل لتمرير وتزكية واقع الاحتكار وضمان استمرار الأرباح الفاحشة لشركات المحروقات.

إن محاولات الأغلبية الحالية الهروب إلى الأمام والعودة بقرص النقاش الاقتصادي اثني عشر سنة إلى الوراء، لتعليق شماعة الفشل الحالي على قرار رفع الدعم سنة 2014، ما هو إلا نوع من الضحك على الذقون واستخفاف مكشوف بذكاء المواطن المغربي، فالقرار الذي اتخذته حكومة بنكيران آنذاك، والذي وصفه وزراء المالية في الحكومة الحالية أنفسهم بأنه كان قراراً حتمياً لإنقاذ التوازنات الماكرو-اقتصادية، عزلته المعطيات التاريخية طيلة أربع سنوات تلت اعتماده، حيث ظلت أسعار المحروقات مستقرة بين 8 و10 دراهم، ولم تشهد الفوضى الحالية إلا بعد أن رفعت الحكومة الحالية والسابقة أيديها بالكامل عن أي آلية للرقابة أو الضبط اللذين تملكهما بقوة القانون والدستور.

وتكمن المفارقة الصارخة في كون حكومة عزيز أخنوش، التي تملك كامل الصلاحيات التنفيذية والتشريعية لإقرار تسقيف الأسعار بمرسوم حكومي بسيط دون الحاجة لغطاء تشريعي معقد، فضلت التواري خلف تبريرات واهية ومواصلة إلقاء اللوم على الماضي. هذا السلوك السياسي يؤكد بالملموس فرضية تضارب المصالح التي تزكم الأنوف، ويعكس كيف تحولت السلطة التنفيذية من أداة لحماية السلم الاجتماعي والأمن الغذائي والطاقي للمواطنين، إلى مظلة تحمي وتشرعن مكاسب الفاعلين الكبار في سوق المحروقات، الذين استباحوا جيوب المغاربة في السنوات الأخيرة دون حسيب أو رقيب، مستغلين غياب الإرادة السياسية لتفعيل آليات الرقابة المتاحة.

إن رفض مكونات الأغلبية، وبدعم من المعارضة الاتحادية، لمقترح التسقيف وإحياء “لاسامير”، يمثل إعلان نوايا واضح وصريح يعفي المغاربة من عناء البحث عن خلفيات هذا التغول الاقتصادي. فهذه الأحزاب التي تباكت طويلاً في حملاتها الانتخابية على الأوضاع الاجتماعية، اختارت اليوم، وهي في موقع القرار، أن تقف حائلاً أمام أي لجنة استطلاعية تبتغي فضح “الفراقشية” والمضاربين، وصوتت بالرفض ضد حلول عملية كانت كفيلة بإعادة التوازن للسوق الطاقية الوطنية وتخفيف الضغط الرهيب على ميزانيات الأسر المغربية والمقاولات الصغرى والمتوسطة.

ولعل أخطر ما تنتجه هذه المقاربة الحكومية هو محاولة توجيه النقاش العمومي بعيداً عن الفاعل الحقيقي والمسؤول المباشر عن تدبير الشأن العام اليوم، والعودة بالذاكرة الجماعية إلى قضايا مستهلكة من قبيل قرارات الحكومات السابقة، وإذا كان المنطق السياسي السليم يقتضي محاسبة من يمسك بزمام السلطة التنفيذية في الوقت الراهن، فإن محاولة التهرب من هذه المحاسبة بفتح ملفات الماضي تعني بالتبعية وجوب فتح قرارات حكومات اليوسفي وجطو والفاسي وبنكيران والعثماني، وهو ترف فكري وسياسي لا يملكه المواطن الذي يكتوي بنيران الغلاء اليومي في عهد الحكومة الحالية التي تتحمل وحدها مسؤولية تعليف وتسمين تجار المحروقات.

لقد عرى هذا التصويت البرلماني طبيعة التحالفات المصلحية التي تحكم المشهد السياسي الحالي، وكشف أن حماية أرباح الشركات الكبرى باتت مقدمة على مصلحة السلم الاجتماعي، لاسيما وأن الاستمرار في تعطيل مصفاة “لاسامير” يخدم مباشرة أجندة المستوردين الذين يفضلون الإبقاء على الارتهان للخارج لضمان استمرار هوامش ربحهم الخيالية، إن الصمت الحكومي أمام هذه التجاوزات، ورفض تقنين الأسعار في ظرفية استثنائية، يثبت أننا لسنا أمام عجز في التدبير، بل أمام سياسة نهج متعمد لتكريس واقع الاحتكار وحرمان الاقتصاد الوطني من صمام أمان طاقي كان بإمكانه توفير ملايير الدراهم على خزينة الدولة والمواطنين.

بناءً على هذا الواقع، وجب التأكيد على أن المغاربة “ولاد اليوم” وليسوا رهائن لملفات الأمس التي حُسمت في وقتها، وأن المسؤولية الأخلاقية والسياسية عما يقع الآن من استنزاف للقدرة الشرائية تقع برمتها على عاتق حكومة أخنوش والموالين لها الذين اختاروا التموقع في صف “الفراقشية” والمضاربين ضد مصالح الشعب. إن محاولات تزييف الوعي الجماعي عبر وسائل الإعلام الموالية أو الأقلام المأجورة لن تفلح في حجب الحقيقة، فالأرقام في محطات الوقود لا تكذب، ومواقف الأحزاب المدونة في محاضر البرلمان ستبقى وصمة عار تلاحق من فضّل تسمين الرأسمال الاحتكاري على حساب استقرار الوطن.

ستظل الصحافة الحرة، ومعها الوعي الشعبي المتنامي، بالمرصاد لكل هذه الحيل السياسوية، وستستمر في فضح تضارب المصالح وتعرية الوعود الكاذبة لحكومة أبانت عن وجهها الحقيقي في أول اختبار جدي للدفاع عن قوت المغاربة. إن المعركة اليوم هي معركة كشف الحقائق ومواجهة تغول المال في السياسة، ومتابعة حكايات هذه الحكومة وتقلباتها وتبريراتها الواهية سيتواصل حتى آخر رمق، لأن الصمت عن هذا الحيف الاقتصادي والاجتماعي لم يعد خياراً مقبولاً، ولأن التاريخ لن يرحم من استغل منصبه الدستوري لتفقير الشعب واغتيال أمل الطبقة المتوسطة والفقيرة في العيش الكريم.

تابعوا آخر الأخبار من أش واقع على Google News تابعوا آخر الأخبار من أش واقع على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أش واقع على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الملتقى الوطني لشباب الكونفدرالية بالحوزية.. محطة تنظيمية وتكوينية لتجديد النخب والنضال الرقمي
الخميس 18 يونيو 2026 - 09:35

الملتقى الوطني لشباب الكونفدرالية بالحوزية.. محطة تنظيمية وتكوينية لتجديد النخب والنضال الرقمي

الأربعاء 17 يونيو 2026 - 13:06

حملة رقمية واسعة على منصات التواصل لترحيل الأفارقة تحت شعار المغرب ليس للبيع

الثلاثاء 16 يونيو 2026 - 18:34

منتدى حقوق الإنسان بالصويرة يضع شباب العالم في صلب نقاشات الدورة الـ13 لمهرجان كناوة

حقيقة فيديو “البيتزا مقابل 200 يورو”.. ولاية أمن مراكش تنفي رواية النصب على سائحة أجنبية
الإثنين 15 يونيو 2026 - 12:49

حقيقة فيديو “البيتزا مقابل 200 يورو”.. ولاية أمن مراكش تنفي رواية النصب على سائحة أجنبية