أش واقع تيفي / الجديدة
يعيش القطاع الفلاحي بإقليم الجديدة ومنطقة دكالة على وقع احتقان غير مسبوق، جراء الارتفاع الجنوني والمقلق لأسعار المدخلات الفلاحية، والذي تحول إلى نزيف يومي يهدد استقرار آلاف الأسر القروية، وفي الوقت الذي يترقب فيه الفلاحون التفاتة جادة تنقذ موسمهم الفلاحي، تفاجأ الرأي المحلي والمهني بسياسة الاستهتار الممنهج التي تنهجها الجهات الوصية، مما يكرس سياسة الإمقاع والتجويع في حق الفلاح البسيط.
إن الواقع المأزوم الذي كشف عنه بلاغ جمعية البوكر لأولاد غانم يضع الأصبع على الوجع الحقيقي، حيث قفزت تكلفة الحراثة بنسبة فاقت 70%، وارتفعت أثمنة البلاستيك بنسبة 30%، بينما سجلت أثمنة المبيدات والأدوية الفلاحية زيادات صاروخية بلغت 100%، هذه الأرقام المفزعة لم تأتِ من فراغ، بل هي حصيلة مباشرة لغياب أي رقابة حقيقية وترك الفريسة لقمة سائغة في أيدي شبكات الإفساد والاحتكار.
ولم تتوقف رغبة الجشع عند هذا الحد، بل تجلت الفضيحة الكبرى يوم 27 أكتوبر 2026، حين صُدم فلاحو منطقة أولاد غانم والواليدية باختفاء بذور صنف “TOEVOU” (الموزعة من طرف الشركة الوحيدة التي تحتكر هذه البذور في السوق)، لقد تم السطو على هذه المادة الحيوية وتوجيهها في يوم واحد نحو شبكات المضاربة من طرف محتكرين معروفين، ليقفز سعر الكيس الواحد من 600 درهم إلى 1200 درهم بنسبة زيادة بلغت 100% في ضرب سافر لقواعد المنافسة الشريفة وتجفيف منابع الإنتاج الفلاحي بالمنطقة.
إن ما وقع ويقع يعري زيف الشعارات الحكومية حول “محاربة الشناقة والمضاربين”، فالمضاربة اليوم في قطاع البذور والأدوية والمحروقات أصبحت منظمة ومحمية بصمت مريب. الموزعون يسلمون السلع لشبكات الوساطة والسمسرة، لتتحول سلسلة التوزيع إلى ماكينة لابتزاز الفلاح الذي وجد نفسه مجبراً على دفع أضعاف مضاعفة، بينما تقف الدولة مكتوفة الأيدي كأن الأمر لا يعنيها في شيء.
وفي خضم هذا الوضع الكارثي، يطرح المهنيون تساؤلات حارقة حول مصير الدعم المخصص لاقتناء البذور والوسائل الفلاحية، فالفلاحون لم يتسلموا أي دعم يذكر طيلة المواسم الفلاحية (2024، 2025، 2026)، وتبخرت الوعود الوزارية في الهواء، أين اختفت الميزانيات المرصودة للقطاع؟ كيف يتم حرمان الفلاح المغربي الحقيقي من حقه المشروع في الاستفادة من البذور المختارة والدعم المباشر، بينما تترك الحبل على الغارب لمافيا الاحتكار؟
إن الفوضى العارمة التي ضربت أسعار المازوت، العود، أجور الأيدي العاملة، وزريعة الطماطم بمختلف أشكالها التي تجاوزت 500 و600 درهم، تؤكد بالملموس أن الموسم الفلاحي الحالي حُكم عليه بالإعدام مسبقاً، لقد أصبح الفلاح عاجزاً حتى عن توفير أبسط مقومات البذر والغرس، مما ينذر بكارثة اجتماعية واقتصادية ستعصف بالاستقرار المحلي في العالم القروي.
وأمام هذا الوضع المأساوي، يتحمل المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي بدكالة، والغرفة الفلاحية، والمصالح المختصة التابعة للمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (ONSSA)، ومعها السلطات الإقليمية والوصية، كامل المسؤولية الأخلاقية والقانونية. فغياب التأطير والمواكبة، وشلل لجان المراقبة، وتواطؤ الصمت الرسمي، كلها مؤشرات تؤكد أن الإدارة الفلاحية بالإقليم في وادٍ وهموم الفلاحين في وادٍ آخر.
إن استمرار هذا العبث لن يزيد الأوضاع إلا تأزماً، وعليه فإن كافة المتضررين والغيورين على مصلحة الإقليم يوجهون إنذاراً أخيراً وعاجلاً لوزارة الفلاحة ووزارة الداخلية من أجل التدخل الفوري لوقف نزيف الأسعار، وتفكيك شبكات الاحتكار والمضاربة التي تعبث بقوت الفلاحين. وإننا في الهيئات المهنية ندق ناقوس الخطر، محذرين من أن صمت المسؤولين لن يولد إلا الانفجار، وأن الفلاح الدكالي لن يقف مكتوف الأيدي أمام مخططات تجويعه وتشريده.





تعليقات
0