أش واقع تيفي / الجديدة
تضع “البؤرة السوداء” بدوار الخضر الواقع ضواحي جماعة الحوزية، هيبة المؤسسة الدرقية على المحك، وهي المنطقة التي تحولت في واضحة النهار إلى سوق مفتوحة للممنوعات يتزعمها الملقب بـ “بوعودة”، حيث يبدو المشهد هناك سريالياً بامتياز، إذ تصطف طوابير الباحثين عن “السموم” في طوابير تشبه خط النمل أمام كوخ معلوم للجميع، دون أن تحرك الأجهزة الوصية ساكناً، مما يطرح علامات استفهام حارقة حول “الحصانة” غير المعلنة التي يتمتع بها هذا البارون الذي باتت شهرته تتجاوز حدود إقليم الجديدة لتصل إلى طنجة وأقصى شمال المملكة.
إن تمدد نفوذ المدعو “يوسف” الملقب بـ “بوعودة” وانتقاله من ترويج “الكيف” و”الشيرا” إلى السيطرة على سوق “الكوكايين” و”البوفا” و”القرقوبي”، يعكس فشلاً ذريعاً في المنظومة الأمنية المحلية بمنطقتي أزمور والحوزية ولها تأثير كبير على تخريب عقول الشباب بمدينة الجديدة، فليس من المنطقي ولا من المقبول أن تظل سيارة فاخرة من نوع “توارگ” تجوب المنطقة ليلاً لتوزيع الوكايين “الغبرة” تحت أنظار الدوريات، دون أن يتم اعتراضها، وهو ما يزكي الطرح القائل بأن هذا “الإمبراطور” قد نجح فعلياً في بناء “جدار حماية” بشري يقي تجارته من المداهمات الأمنية المفاجئة.
لقد تحول دوار الخضر من تجمع سكني هادئ إلى معقل محصن لمافيا المخدرات، حيث لم يكتفِ “بوعودة” ببناء ثروة هائلة من دماء وعقول الشباب المغربي، بل تجاوز ذلك إلى تجنيد جيش من المنحرفين وذوي السوابق الذين يفرضون “عدالة خاصة” داخل الدوار، ويقومون بجلد وترهيب كل من سولت له نفسه الخروج عن طاعة التنظيم، في تحدٍ سافر لمؤسسات الدولة وقوانينها، وسط صمت مريب من الجهات التي يفترض فيها حماية المواطنين من بطش العصابات المنظمة.
إن الحديث السائد في الشارع الجديدي حول “شراء السوق” ليس مجرد اتهامات عابرة، بل هو تعبير عن واقع مرير يرى فيه المواطنون بأم أعينهم كيف يتم تحييد دور بعض عناصر الدرك الملكي بأزمور، الذين تحولوا في نظر الساكنة من حماة للقانون إلى “خدام” لمصالح البارون، يقتسمون معه “الكعكة” ويؤمنون له طرق الإمداد والتحرك، ويقومون بدور “المخبر” الذي يسرب أوان الحركات الأمنية قبل انطلاقها، مما يجعل أي مجهود لمحاربة هذه الآفة يولد ميتاً.
لقد أصبح الوضع في جماعة الحوزية وبئر الذهبي ومدينة الجديدة والضواحي يتجاوز مفهوم الجريمة العادية ليصل إلى مستوى “الجريمة المنظمة والمحمية”، حيث يتم تدمير مستقبل جيل كامل بمواد فتاكة مثل “البوفا” التي تنخر أجساد الشباب، أمام أعين المسؤولين الذين يبدو أنهم يغطون في نوم عميق، أو أنهم اختاروا بملء إرادتهم التغاضي عن “النشاط العلني” لهذا الكارتل الصغير الذي يتمدد ويتوحش يوماً بعد يوم، مستغلاً ضعف الرقابة المركزية على بعض التجاوزات المحلية.
إن مسؤولية القائد الإقليمي للدرك الملكي بالجديدة ونوابه باتت اليوم أمام اختبار حقيقي للمصداقية والنزاهة، فالمعلومات التفصيلية حول نشاط “بوعودة” وشريكه الجديد “أيوب” لم تعد سراً عسكرياً، بل هي مادة دسمة يتداولها الصغير والكبير، وإن استمرار هذا النشاط الإجرامي في “رأس العقبة” وبهذا الشكل الفاضح يعد إهانة صريحة لكل الشعارات المرفوعة حول محاربة المخدرات، وتكريساً لصورة “البؤر الخارجة عن القانون” التي تدبرها عصابات فوق المحاسبة.
لا يمكن للمجتمع أن يتقبل تبريرات “العجز التقني” أو “عدم التبصر” أمام بارون معروف بالاسم واللقب ومكان الإقامة ونوع السيارة التي يستخدمها في توزيع “السموم البيضاء”، فالمسألة هنا لم تعد تتعلق بقدرة أجهزة الدرك التي يشهد لها بالحنكة وطنيا، بل بـ “الإرادة” في تنظيف البيئة الدرقية من العناصر الفاسدة التي باعت ذمتها لتاجر مخدرات، وصارت تشكل درعاً واقياً له بدل أن تكون سيفاً مسلطاً على عنقه وعنق أفراد عصابته.
إن ما يحدث في ضواحي الجديدة هو جرس إنذار للسلطات المركزية بالرباط للتدخل العاجل وإيفاد لجان تفتيش مستقلة للتحقيق في “التواطؤ المفضوح” الذي يسمح لـ “بوعودة” بمواصلة تسميم البيئة الاجتماعية والأمنية، إذ لا يعقل أن يظل “إمبراطور الكوكايين” آمناً في مملكته الصغيرة بينما يقتاد البسطاء إلى السجون، مما يكرس شعوراً بالظلم والقهر لدى المواطنين الذين يشاهدون كيف تتحول السلطة من أداة لخدمة الصالح العام إلى وسيلة لحماية الخارجين عن القانون.






تعليقات
0