أش واقع تيفي / هشام شوراق
في عمق جبال إقليم بني ملال، وتحديداً بجماعة “تيزي نسلي”، لم تكن عائشة تعلم أن يُتمها المبكر سيكون بوابتها نحو جحيم أرضي لا ينتهي. بدأت المأساة وهي في سن الرابعة عشرة؛ طفلة قاصر، يتيمة الأم، ومن ذوي الاحتياجات الخاصة، تعيش في كنف والد كفيف لا يملك من أمر نفسه ولا أمرها شيئاً. هذا العجز المزدوج، المتمثل في إعاقة الضحية وفقدان والدها للبصر، كان هو “الثغرة الخسيسة” التي استغلها وحوش بشريون، ليحولوا حياتها إلى سلسلة من الانتهاكات الجسدية الممنهجة، مستفردين بها في ظل انعدام تام لأي سند أو قدرة على المقاومة.
الصدمة التي تزلزل كيان المجتمع ليست في فعل الاغتصاب فحسب، بل في هوية الجناة تتحدث المعطيات عن تورط مباشر لمن يُفترض أنهم سياج الأمن والأمان في المنطقة، عائلة “عون سلطة” (مقدم) ومستشار جماعي بنفس الجماعة، هؤلاء الذين اؤتمنوا على حقوق الناس خانوا الأمانة واستغلوا نفوذهم لإخضاع طفلة قاصر واستباحة جسدها ليل نهار في أبشع صورة لاستغلال السلطة.
كيف يمكن لمجتمع محلي أن يصمت على “جريمة مستمرة” نتج عنها ثمانية أطفال إن صمت الجدران في “دوار غياد المركزية” يعكس تواطؤاً طبقياً واجتماعياً، حيث تحول جسد عائشة إلى مشاع للجناة تحت تهديد النفوذ “المخزني” والسياسي، في ظل غياب تام لأي رقابة قانونية أو وازع أخلاقي يحمي يتيمة من مخالب هؤلاء النافذين.
ثمانية أرقام ثمانية أرواح ثماني صرخات خرجت من رحم المعاناة والظلم، ثلاثة منهم سلكوا طريق “التبني” المجهول، وواحد اختطفه الموت ليشكو ظلم البشر لخالقه وأربعة يعيشون اليوم مع “أمٍّ طفلة” هي نفسها ضحية لم تخرج بعد من هول الصدمة، كل طفل منهم هو “دليل إدانة” يمشي على الأرض، يسأل عن هوية والده وعن سبب صمت العدالة لسنوات.
لم يكن ما تعرضت له عائشة مجرد اعتداء عابر، بل كان “استعباداً جنسياً” منظماً، حين يكون “المقدم” هو الخصم والحكم، وحين يشارك “المستشار الجماعي” في الوليمة تضيع حقوق الضعفاء، لقد استغل هؤلاء صفتهم الرسمية لضمان صمت الضحية وإفلاتهم من العقاب، محولين القانون إلى أداة لقمع الصرخة بدلاً من إنصافها.
تؤكد المعطيات أن الاغتصاب كان يتم بشكل متكرر ودوري، “ليل نهار”، وكأن جسد عائشة أصبح ملكية خاصة للجناة، هذا الاستهتار بالكرامة الإنسانية يطرح تساؤلات حارقة حول دور السلطات الإقليمية ببني ملال، كيف غابت أعين الرقابة عن “وكر” يُنتهك فيه عرض قاصر لسنوات طويلة حتى تكرر الحمل والإنجاب ثماني مرات؟
إن أشد ما يؤلم في مأساة عائشة هو مفارقة “الحماية” الشخص الذي من المفترض أن تهرع إليه الضحية لتشتكي، هو نفسه من كان يقتحم خصوصيتها ويمزق طفولتها، إنها حالة “اللا قانون” التي سادت في “تحونة أيت ودير”، حيث سقطت الأقنعة عن وجوه مسؤولين تحولوا إلى “كوابيس” تطارد اليتامى بدلاً من أن يكونوا لهم سنداً.
إن قضية عائشة ليست مجرد خبر عابر، بل هي “زلزال حقوقي” يجب أن تُهدم بسببه قلاع الفساد في جماعة تيزي نسلي، لا يمكن للمغرب، دولة الحق والقانون، أن يسمح بوجود “دواوير” خارجة عن السيطرة الأخلاقية، المحاسبة يجب أن تطال “الرؤوس” الكبيرة أولاً ليكونوا عبرة لكل من سولت له نفسه اغتصاب طفلة قاصر تحت عباءة السلطة.






تعليقات
0