عبد اللطيف نحيلة.. المعادلة الصعبة في الدبلوماسية الثقافية

رئيس التحرير الثلاثاء 6 يناير 2026 - 01:39

اش واقع 

 

 

في عالم يتجه بوتيرة متسارعة نحو الاستقطاب الحاد، حيث تُختزل العلاقات الدولية غالبًا في منطق الاصطفاف، تكتسب الدبلوماسية الثقافية أهمية متزايدة بوصفها مجالًا بديلًا لإدارة الاختلاف. غير أن هذا المجال، رغم اتساعه الرمزي، يظل من أكثر المساحات تعقيدًا، لكونه يتحرك عند تقاطع السياسة، الثقافة، والرهانات القيمية. ضمن هذا السياق، تبرز تجربة الفنان عبد اللطيف نحيلة رئيس ملتقى سلام للفنون المعاصرة كمسار عملي يسعى إلى اختبار حدود هذا التوازن، دون ادعاء تجاوزه أو القفز على تناقضاته.

من خلال ملتقى السلام للفنون المعاصرة، جرى الاشتغال على الثقافة باعتبارها أداة لتنظيم الحوار، لا خطابًا موازياً للسياسة ولا بديلاً عنها. وقد كشفت نسخة 2025 من الملتقى بوضوح هذا التوجه، خصوصًا عبر الجمع بين ثلاث ركائز مترابطة: طريق الحوار والسلام، جائزة السلام، ومنصة E-Salam Connect. هذا البناء لم يكن شكليًا، بل عكس تصورًا يرى في السلام مسارًا متعدد المستويات، ينطلق من الفضاء المحلي ويتوسع نحو المجال الرقمي، دون أن يفقد بعده الإنساني.

قُدِّم طريق الحوار والسلام كمسار ثقافي متنقل ينطلق من مدن خارج المركز، وفي مقدمتها سيدي قاسم، في خيار يحمل دلالة وطنية واضحة. فالرهان هنا لا يقتصر على اللامركزية الثقافية، بل يؤكد أن الدبلوماسية الثقافية لا تُبنى فقط من العواصم، بل من المدن المتوسطة والهوامش، حيث يتقاطع سؤال الثقافة مع قضايا الشباب، والعدالة المجالية، وإتاحة الفرص. هذا الامتداد الجغرافي منح الملتقى بعدًا وطنيًا فعليًا، ورسّخ صورته كمشروع مجتمعي يتجاوز منطق الحدث العابر.

أما جائزة السلام، فقد تم تقديمها بوصفها أداة اعتراف ثقافي بالمسارات الإنسانية، لا منصة لإنتاج مواقف سياسية أو رسائل ظرفية. اختيار شخصيات دبلوماسية من خلفيات مختلفة لم يكن يهدف إلى خلق توازنات إعلامية او سياسية، بل إلى ترسيخ مبدأ مفاده أن الثقافة تتعامل مع الأفراد من خلال أدوارهم ومساراتهم، لا من خلال انتماءاتهم الدينية او السياسية الصلبة. في هذا الإطار، يكتسب تكريم جمال الشوبكي، سفير دولة فلسطين بالمملكة المغربية، دلالته باعتباره اعترافًا بالدور الذي تلعبه الدبلوماسية في الدفاع عن الحقوق داخل المنظومة الدولية، وإعادة تأكيد على مركزية القضية الفلسطينية ضمن أفقها الإنساني والحقوقي. وبالموازاة، يندرج حضور وتكريم عينات ليفي، بصفتها يهودية إسرائيلية من أصل مغربي وباحثة في حوار الثقافات بين الأمم، ضمن مقاربة تميّز بين المسار الثقافي والفكري الفردي وبين الهوية السياسية للدولة. هذا التوازي لا يسعى إلى تسوية التناقضات السياسية القائمة ولا إلى تذويبها، بل إلى نقلها خارج الفضاء الثقافي، وفتح هامش للاعتراف المتبادل والحوار الإنساني، كما راكمه النموذج المغربي المتفرّد في العيش المشترك والتعارف المتبادل.

وعلى المستوى الرقمي، جاءت منصة E-Salam Connect لتوسّع هذا المنطق داخل فضاء افتراضي مفتوح، موجّه أساسًا إلى الشباب. المنصة لا تدّعي إنتاج خطاب بديل أو تجاوز المرجعيات القائمة، بل تهدف إلى تنظيم النقاش، وتأطير التعبير، وتوفير أدوات رقمية للتفكير في السلام باعتباره ممارسة معاصرة تتأثر بالذكاء الاصطناعي، والحقوق الرقمية، وأنماط التواصل الجديدة. وبهذا المعنى، تنتقل الدبلوماسية الثقافية من منطق الحدث إلى منطق المسار، ومن الزمن القصير إلى الأثر التراكمي.

العنصر الحاسم الذي يمنح هذه التجربة مصداقيتها، ويُمكّنها من الحضور وطنيًا ودوليًا، يظل مسألة الاستقلالية. فالمسار الذي تشرف عليه مؤسسة رحلة للفنون الحية يقوم على الانفتاح دون ارتهان، وعلى التعاون دون فقدان القدرة على ضبط الخط التحريري. هذه الاستقلالية لا تُرفع كشعار، بل تُمارَس عمليًا في اختيارات البرمجة، وتنوّع الضيوف، وصياغة الخطاب العام، وهو ما يسمح للملتقى بالتحرك داخل منطقة دقيقة دون أن يتحول إلى أداة تبرير أو ساحة استقطاب.

تقدّم تجربة عبد اللطيف نحيلة نموذجًا عمليًا للدبلوماسية الثقافية، وتطرح في الآن ذاته اختبارًا واقعيًا لحدودها. اختبار يعترف بتعقيد العالم، ويُبقي قنوات الحوار مفتوحة، دون ادعاء حل التناقضات السياسية العميقة. وهو، في ذلك، يراهن على الثقافة لا كحل نهائي، بل كمساحة ضرورية للحوار والنقاش، وتنظيم الاختلاف، وإبقاء الإنسان حاضرًا في معادلات غالبًا ما تُدار بلغة المصالح وحدها، معزّزًا بذلك حضور المغرب كفاعل إنساني وثقافي مسؤول على الساحة الدولية.

تابعوا آخر الأخبار من أش واقع على Google News تابعوا آخر الأخبار من أش واقع على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أش واقع على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الإثنين 5 يناير 2026 - 10:04

محمد يحيى يستقبل عام 2026 بأغنية “ضحكتك”

الأحد 4 يناير 2026 - 20:23

ملف ثقيل لتضارب المصالح على طاولة رئيس جماعة سيدي قاسم

الخميس 1 يناير 2026 - 18:40

تتويجاً لمسار الكفاءة والاستحقاق.. ترقيات واسعة بصفوف الأمن الوطني برسم سنة 2025 وحصة وازنة للأمن الإقليمي بالجديدة

الخميس 1 يناير 2026 - 17:56

نشرة إنذارية: رياح وأمطار جد قوية وثلوج تعمّ المغرب ليومين متتاليين