أش واقع تيفي / هشام شوراق
تطل علينا الحكومة المغربية، كعادتها مع اقتراب كل رمضان، بوجوه تعلوها ملامح الطمأنينة المصطنعة، وهي تحمل في حقائبها أرقاماً صماء عن “مخزون استراتيجي” و”أسعار تحت السيطرة”. غير أن هذه الطمأنينة الرسمية لا تتجاوز عتبات قاعات الاجتماعات المكيفة، لتصطدم بواقع مرير في الأسواق الشعبية، حيث تغلي الأسعار ويُكوى المواطن بنيران الجشع التي يبدو أنها أقوى من كل “لجان اليقظة” المجتمعة.
حين تتحدث وزيرة الاقتصاد والمالية عن انخفاض في أثمان الدواجن والقطاني، يبدو الأمر وكأنها تتحدث عن سوق في كوكب آخر غير الذي يرتاده المغاربة. إن هذا “الاستقرار” الذي تروج له الحكومة ليس إلا وهماً إحصائياً؛ فالمواطن الذي يرى دراهمه تتبخر أمام أبسط مقتنيات المائدة الرمضانية، لا تهمه التقارير المكتوبة بمداد التفاؤل المفرط، بقدر ما يهمه الفرق الشاسع بين ثمن السلعة اليوم وثمنها بالأمس.
تتغنى الحكومة بتجاوز 30 ألف عملية مراقبة وضبط آلاف المخالفات، لكن السؤال الحارق الذي يطرح نفسه: ما الفائدة من مراقبة لا تفرز انخفاضاً ملموساً في الأسعار؟ إن هذه الأرقام الضخمة تتحول إلى مجرد “استعراض عضلي” إعلامي، يفشل في لجم المضاربين الذين استأنسوا بالعقوبات الهزيلة، وواصلوا امتصاص دماء المستهلكين تحت أنظار لجان تبحث عن الأرقام أكثر مما تبحث عن الأثر.
في ذات السياق، يخرج وزير الفلاحة ليبشر بموسم واعد بفضل التساقطات المطرية، وكأن السماء حين تمطر تملأ جيوب الفقراء تلقائياً. إن ربط “الوفرة” بـ “القدرة الشرائية” هو مغالطة مفضوحة؛ فما نفع أن تمتلئ الأسواق بالخضر والفواكه واللحوم إذا كانت أسعارها “محلقة” بعيداً عن متناول الأجراء والبسطاء؟ إن العبرة ليست في الوفرة المخزنة، بل في العدالة السعرية التي غابت عن أجندة الوزارة.
جاء تقرير المرصد المغربي لحماية المستهلك ليفضح هذا التناقض الصارخ، موثقاً ارتفاعات “غير مبررة” في مواد استراتيجية كالزيت والسكر والدقيق. هذا التقرير لم يكن مجرد رصد تقني، بل كان صرخة استغاثة تؤكد أن سلاسل التوريد “مستقرة” تقنياً لكنها “مستغلة” جشعاً، مما يضع الحكومة في قفص الاتهام بالتقصير في حماية مواطنيها من تغول لوبيات الاحتكار.
بينما تنفي الحكومة وجود ممارسات احتكارية وتؤكد على صيانة المنافسة، يرى المواطن بأم عينه كيف تتحكم حفنة من المضاربين في رقاب الأسواق. إن هذا التستر الرسمي على “حيتان الأسواق” وتجاهل مطالب نشر لوائح الأسعار المرجعية وتحديد هوامش الربح، يجعل من خطاب “حماية المستهلك” مجرد شعار أجوف يُرفع للاستهلاك الإعلامي فقط، بينما تُترك الميدان للذئاب.
لقد باتت الهوة بين “الوزير” و “المواطن” أعمق من أي وقت مضى؛ فالأول يعيش في عالم “الماكرو-اقتصاد” والمنجزات النظرية، والثاني يصارع “ميكرو-القفة” اليومي. إن استمرار هذا التناقض الصارخ بين تصريحات تطمئن وتدعي الرخاء، وبين واقع يفرغ جيوب الصائمين قبل إفطارهم، هو وصفة جاهزة لتكريس فقدان الثقة في المؤسسات التنفيذية.
أمام عجز الحكومة أو “تعاجزها” عن كبح جماح الغلاء، لم يبقَ للمواطن إلا سلاح الوعي الذي دعا إليه المرصد: المطالبة بالفاتورة، والتبليغ عن اللصوص المقنّعين، ومقاطعة المستغلين. إنه نداء اليأس من إجراءات رسمية أثبتت فشلها، وتأكيد على أن “المواطن المغربي وحيد في الميدان”، يواجه بمفرده تغول الأسعار وفشل السياسات التي تعد بالنعيم وتورث الجحيم المعيشي.






تعليقات
0