أش واقع تيفي / هشام شوراق
اهتزت مدينة الجديدة، فجر اليوم الخميس، على وقع جريمة قتل بشعة ذهب ضحيتها رجل مسن كان في طريقه لأداء صلاة الفجر بـ “حي السعادة”، الجريمة لم تكن مجرد حادث عابر، بل كانت “مأساة معلنة” حذرت منها عائلة الجاني قبل شهر، لكن صرخات الاستغاثة ضاعت في ردهات مؤسسات صحية لم تعد تقدم سوى “شهادات خروج” نحو المجهول.
تجسد هذه الفاجعة واقعاً مريراً يعيشه المواطن الجديدي يومياً، حيث تحولت شوارع المدينة إلى مسرح مفتوح لمئات المختلين عقلياً ومدمني المخدرات الذين لا ملجأ لهم سوى الأزقة، هؤلاء الضحايا/الجناة المفترضون، يعيشون في حالة تخبط بين نوبات الهيجان وبين غياب تام لأي احتواء مؤسساتي، مما يجعل من كل زقاق مشروع جريمة قد تقع في أي لحظة.
إن حالة الخوف والرعب التي تسكن قلوب الساكنة مبررة تماماً، فالجديدي اليوم يمر بجانب “قنابل موقوتة” بشرية، الغزو الواضح للمختلين والمدمنين لمساحات المدينة العمومية ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج مباشر لسياسة “التخلي” التي تنتهجها القطاعات المعنية، والتي تترك العائلات وحيدة في مواجهة عدوانية أبنائها المرضى.
وبالحديث عن “المستشفى” الوحيد بالإقليم، فإن الواقع صادم بكل المقاييس؛ فالمؤسسة التي يُفترض أن تكون ملاذاً للعلاج تحولت إلى “بناية خاوية على عروشها”. لا أطباء متخصصين بالعدد الكافي، لا أدوية أساسية، ولا أجهزة، بل ولا حتى أبسط المعدات التي تحفظ كرامة المريض أو تضمن سلامة الأطقم والساكنة.
إن الدخول إلى هذا القسم المختص بالأمراض العقلية بالجديدة أصبح، حسب شهادات الساكنة، تذكرة ذهاب بلا عودة نحو تدهور الحالة النفسية، فبدل أن يتلقى المريض العلاج، يواجه اكتظاظاً مهيناً وظروفاً لا إنسانية، لينتهي به المطاف مطروداً أو مغادراً قبل استكمال العلاج، ليعود إلى الشارع “قنبلة” أكثر خطورة مما كان عليه قبل دخوله.
الجريمة التي وقعت اليوم في حي السعادة هي إدانة صريحة لمنظومة “التتبع والمواكبة” الغائبة تماماً، كيف يُعقل أن يُعاد شاب صُنّف “خطراً” إلى حضن عائلته دون أدنى مراقبة؟ وكيف يُترك المرضى والمدمنون يتسكعون في الشوارع دون مراكز إيواء أو برامج تأهيل حقيقية تحمي المجتمع من نوبات غضبهم الخارجة عن السيطرة؟
المواطن بالجديدة بات يطالب اليوم بـ “الأمن الصحي” قبل أي شيء آخر، فالشوارع التي يغزوها المدمنون والمختلون أصبحت تشكل تهديداً حقيقياً للسلم الاجتماعي، الصدمة التي خلفها مقتل “شهيد الفجر” يجب أن تكون جرس إنذار أخير للمسؤولين بضرورة توفير الدواء والأطباء وتجهيز المستشفى بما يليق بكرامة الإنسان.
ختاماً، إن دم المسن الذي سال في طريق المسجد سيبقى وصمة عار في جبين كل من قصر في أداء واجبه المهني والإنساني، مدينة الجديدة تستحق منظومة صحية تحمي الضعفاء وتؤمن الأبرياء، لا مستشفيات “تُخرّج” المختلين وتتركهم لقمة سائغة للشارع وللمخدرات، لينتهي بهم المطاف قتلةً خلف القضبان أو جثثاً في المشرحة.






تعليقات
0