أش واقع تيفي / هشام شوراق
الموت السريري لعروس دكالة: لم تعد مدينة الجديدة تلك الوجهة السياحية التي تغنى بها الزوار، بل تحولت إلى “نقطة سوداء” على خارطة التنمية الوطنية، تعيش المدينة اليوم أزمة بنيوية مركبة، حيث تتراكم الأزمات فوق بعضها البعض في ظل غياب تام لأي رؤية تدبيرية قادرة على انتشال الساكنة من مستنقع الإهمال الذي طال كل شبر من أحيائها وشوارعها.
بنية تحتية “مهترئة” وحفر كالمقابر: أصبح التجول في شوارع الجديدة مغامرة غير محمودة العواقب، فالبنية التحتية تحولت إلى أطلال، وشبكة الطرقات عبارة عن سلسلة لا تنتهي من الحفر والأعطاب التي تتربص بمركبات المواطنين، أما الإنارة العمومية فقد غابت عن أحياء بأكملها، تاركةً المجال لظلام دامس يكرس الإحساس بـ”السيبة” وعدم الأمان، وسط استياء عارم من تردي خدمات النظافة التي أصبحت وصمة عار على جبين المجلس المسير.
فوضى النقل و”ديكتاتورية” الطاكسيات الصغيرة: قطاع النقل بالمدينة يعيش خارج القانون، فحافلات النقل الحضري تحولت إلى “قنابل موقوتة” متهالكة تعرقل السير وتشكل خطراً يومياً على الأرواح أما أعين السلطة المحلية وفي المقابل، يفرض أصحاب سيارات الأجرة الصغيرة قانونهم الخاص، من خلال انتقاء الوجهات وفرض تسعيرات عشوائية في تحدٍ سافر للقانون، ليجد المواطن “الجديدي” نفسه محاصراً بين مطرقة الحافلات المهترئة وسندان جشع بعض السائقين.
مرافق عمومية من “عصر الجاهلية”: يُعد سوق الجملة بالجديدة نموذجاً صارخاً لتردي الخدمات، حيث يفتقر لأدنى شروط السلامة الصحية والنظافة، ليتحول إلى مرتع لـ”الشناقة” والمضاربين الذين ينهبون جيوب المواطنين، أما “المستشفى الإقليمي”، فقد بات مجرد بناية إسمنتية خاوية على عروشها ومحطة عبور بن العمومي والمصحات الخاصة، تفتقر للأطر الطبية والأدوية وجهاز “السكانير”، مما يجعل حياة المرضى معلقة بين رحمة القدر أو تكبد عناء التنقل لمصحات الخاصة.
صفقات مشبوهة ومشاريع “على الورق”: تطرح الصفقات العمومية بالجديدة علامات استفهام كبرى حول أوجه صرف المال العام، فالمشاريع التي تُقدم في العروض الفاخرة لا يظهر لها أثر على أرض الواقع، أو تخرج مشوهة ولا تحترم دفاتر التحملات، صفقات متعثرة وأخرى متوقفة، توحي بوجود اختلالات تدبيرية تستوجب فتح تحقيق عاجل من طرف المجلس الأعلى للحسابات للوقوف على مآل الملايير التي تُبخرها سياسة “البريكولاج”.
الملك العمومي.. رصيف مستباح: لم يعد للمشاة حق في شوارع المدينة، حيث تمدد احتلال الملك العمومي بشكل وحشي من طرف المقاهي والمحلات التجارية والباعة الجائلين، وأغلبهم يشتغلون دون رخص قانونية، هذا التسيب حوّل الأرصفة إلى ملكيات خاصة، مما أجبر المواطنين على السير جنباً إلى جنب مع السيارات، في مشهد يكرس الفوضى ويضرب جمالية المدينة في مقتل.
مفارقة “الجرف الأصفر” وعطالة الشباب: من المفارقات الصارخة أن تحتضن الجديدة أكبر مجمع صناعي في القارة (الجرف الأصفر)، بينما تعاني ساكنتها من أعلى معدلات البطالة، شباب المنطقة يُقصون من فرص العمل الحقيقية، وإن وجدوها، فغالباً ما تكون في مهن “السخرة” (أمن خاص أو نظافة) بظروف قاسية تصل لـ15 ساعة عمل وبأجور زهيدة لا تحفظ الكرامة، وسط غياب تام للفضاءات الثقافية والرياضية ودور الشباب التي تظل مجرد جدران بلا روح.
التدخل العاجل أو الانفجار الاجتماعي: إن الوضع في الجديدة لم يعد يحتمل أنصاف الحلول أو سياسة “الهروب إلى الأمام”، الوزارة الوصية مطالبة اليوم، قبل أي وقت مضى، بفتح تحقيق شامل ومحاسبة كل من ثبت تورطه في هدر المال العام أو التقصير في أداء الواجب، الساكنة تطالب بحقها في مدينة تحفظ كرامتهم، وتنتظر “زلزالاً” إدارياً يعيد ترتيب البيت الداخلي ويقطع مع سنوات التدبير العشوائي والفساد المستشري.
الجديدة تغرق في عتمة موحشة بالنسبة للإنارة: حيث باتت في أغلب الأحياء والشوارع الرئيسية مجرد أشباح لأعمدة متهالكة أو مصابيح معطلة خارج الخدمة، مما حول ‘عاصمة دكالة’ إلى مدينة للأشباح بمجرد غروب الشمس، هذا الغياب التام واللامبالاة في صيانة الشبكة الكهربائية لم يعد مجرد تقصير تدبيري، بل صار تهديداً حقيقياً لسلامة المواطنين وممتلكاتهم، حيث تضاعفت المخاطر الأمنية وارتفعت نسب الحوادث تحت جنح الظلام الدامس، في وقت يتساءل فيه السكان بحرقة: أين تذهب ميزانيات الصيانة ومستحقات ‘الرسم على الخدمات الجماعية’ التي يؤدونها من جيوبهم لبلدية غارقة في العجز والسبات؟






تعليقات
0