أش واقع تيفي / الجديدة
تتصاعد في الآونة الأخيرة حدة التساؤلات المشروعة بمدينة الجديدة، وتحديداً عند مدخل منطقة سيدي بوزيد، حول مشروع “محطة وقود” أثيرت حوله الكثير من الشكوك القانونية، ففي الوقت الذي ينتظر فيه المواطن توسيع المساحات الخضراء، تفاجأ الرأي العام بتحويل بقعة كانت مخصصة لتكون “حديقة عامة” (جردة) إلى فضاء لتخزين وبيع المواد الحرقية، مما يضع سلامة الساكنة والمارة على المحك أمام صمت مطبق من الجهات الوصية.
إن هذا الوضع الذي بات يوصف “بالشاذ” في تدبير الشأن المحلي، يضع السلطات المكلفة بحماية الملك العمومي أمام مرآة مسؤوليتها التاريخية والقانونية، فكيف لملف أحدث ضجة عارمة على منصات التواصل الاجتماعي، وأسال مداد الغيورين على جمالية المدينة، أن يظل حبيس “السكوت الإداري”؟ إن استمرار هذا الصمت لا يفسر إلا بكونه ضوءاً أخضر غير مباشر لاستباحة الملك العام وتجاوز المخططات العمرانية الأصلية.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة وسط هذا اللغط: من هي الجهة التي منحت “رخصة صلاحية” أو “رخصة الاستغلال” (Permis d’habiter) لمشروع يشوبه عيب أصلي في الموقع والوظيفة؟ إن استخراج تراخيص لمشاريع مقامة على وعاء عقاري مخصص للمنفعة العامة يعد خرقاً سافراً للقانون، ويستوجب فتح تحقيق عاجل لتحديد المسؤوليات والكشف عن الجهات التي غطت على هذا التجاوز.
إن ما يحدث بمدخل سيدي بوزيد ليس مجرد واقعة معزولة، بل هو مؤشر خطير على تغول “النفوذ” على حساب الحق العام، فمن يحمي صاحب هذه المحطة؟ ومن يقف حائلاً دون تنفيذ قرارات التحرير التي طالت في وقت سابق صغار الباعة والمحلات البسيطة؟ إن مبدأ “القانون فوق الجميع” يقتضي ألا تكون هناك حصانة لأي مستثمر مهما علا شأنه إذا كانت استثماراته تهدد السلامة العامة وتعتدي على حقوق الأجيال القادمة في الفضاءات الخضراء.
علاوة على ذلك، فإن تحويل مساحة مخصصة للتشجير إلى مخزن للمواد القابلة للاشتعال في منطقة حيوية ومكتظة، يعد مقامرة أمنية وبيئية غير محسوبة العواقب، إن غياب الرقابة الصارمة في هذا الملف يعيد إلى الواجهة ملفات “البناء العشوائي” واحتلال الملك العمومي التي تئن تحت وطأتها مدينة الجديدة، مما يوحي بوجود منظومة متكاملة من التغاضي تخدم مصالح ضيقة على حساب المصلحة العليا للمدينة.
إن الرأي العام المحلي والوطني يترقب اليوم خروج قرار حازم يقضي بإغلاق هذه المنشأة غير القانونية، وإعادة الحال إلى ما كان عليه عبر استرجاع الوعاء العقاري المخصص للحديقة، إن سياسة “الهروب إلى الأمام” لن تزيد الملف إلا تعقيداً، ولن تزيد المواطن إلا ريبة في نزاهة القرارات الإدارية المتخذة بشأن تدبير الملك العام بمدينة الجديدة.
لقد حان الوقت لتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومساءلة كل من ساهم من قريب أو بعيد في “تبييض” هذا الخرق القانوني بمدخل سيدي بوزيد، فالصمت لم يعد خياراً مقبولاً في ظل دولة الحق والقانون، وأي تأخير في التدخل يعتبر تزكية للفوضى العمرانية وتشجيعاً لمزيد من التجاوزات التي تسيء لصورة المدينة وتفقد المواطن ثقته في مؤسساته.
نختم بتوجيه النداء إلى السلطات الإقليمية والمحلية بضرورة التحرك العاجل لتحرير هذا الملك العام المغتصب، فجمالية سيدي بوزيد وسلامة مرتاديها ليست للبيع أو المساومة، وقوة الدولة تكمن في قدرتها على إنفاذ القانون على الجميع دون استثناء، وتطهير المحيط العمراني من كل الشوائب التي تعيق التنمية الحقيقية والمنصفة.






تعليقات
0