أش واقع تيفي / الجديدة
تستمر المأساة الإنسانية والاجتماعية في دوار “البحارة” بمنطقة سيدي بوزيد، التابع لجماعة مولاي عبد الله، حيث تحول هذا التجمع السكني إلى “نقطة سوداء” خارجة عن القانون، في هذا الدوار، لم يعد ترويج المخدرات يتم في الخفاء، بل أضحى تجارة علنية تُمارس في واضحة النهار أمام أعين الجميع، في تحدٍ سافر لكل القيم والقوانين، المشهد هناك قاتم “الحشيش” و”القرقوبي” و “النفحة” يُعرضان كبضاعة عادية، وسط أجواء من الرعب تفرضها عصابات لا تتردد في التنكيل بكل من تجرأ على رفع صوته بالاحتجاج، وكأن المنطقة باتت “إمارة خاصة” يُشترى فيها الصمت بالقوة ويُباع فيها الضمير بالخوف.
وما يزيد من حدة الاحتقان ويثير تساؤلات حارقة حول “دولة الحق والقانون”، هو الحديث الرائج عن استقواء هؤلاء المروجين بجهات يُفترض فيها حماية الأمن، فالمقهى التي تُعتبر المركز الرئيسي لتوزيع هذه السموم، تُشير الأصابع إلى ملكيتها لـ “عنصر دركي”، وهو ما يفسر، في نظر الساكنة، حالة “الحصانة” غير المعلنة التي يتمتع بها المكان، وبجانب هذا الوكر، ينتصب كوخ عشوائي “عشة” يتستر بغطاء بيع الخضر، ليتحول في الباطن إلى منصة لبيع “الحشيش” و”النفحة”، في مشهد سريالي يمزج بين لقمة العيش المريرة وسموم الموت التي تنخر جسد المجتمع.
إن ما يحدث في دوار البحارة ليس مجرد خرق للقانون، بل هو اغتيال ممنهج لمستقبل الشباب، فالمخدرات بشتى أنواعها، وخاصة الأقراص المهلوسة (القرقوبي)، ليست مجرد مواد مخدرة، بل هي معاول هدم تخرب الخلايا العصبية وتدفع بمتعاطيها نحو دوامة من الأمراض النفسية، الانفصام، والميل الانتحاري أو الإجرامي، لقد تحول شباب في مقتضى العمر إلى أشباح تائهة، ضاعت أحلامهم بين ردهات “العشة” ودخان المقهى المشبوهة، مما أدى إلى تفكك الأسر وارتفاع مهول في معدلات الجريمة والعنف المنزلي، في ظل غياب تام لأي وازع أخلاقي لدى المتاجرين بآلام الناس.
إن سياسة “الآذان الصماء” التي تنهجها الجهات الوصية تجاه ما يجري في هذا الدوار لم تعد مقبولة، فالصمت هنا يتجاوز حدود التقصير ليصبح تواطؤاً مكشوفاً يزكي تغول المفسدين، إن الساكنة التي ضاقت ذرعاً ببطش المروجين، تجد نفسها اليوم بين مطرقة السموم التي تفتك بأبنائها وسندان التهديد بالعنف لكل من يتكلم، إن استمرار هذا الوضع هو طعنة في خاصية السلم الاجتماعي، وإهانة لكل الشعارات التي ترفعها المؤسسات الأمنية حول محاربة الجريمة المنظمة والاتجار في الممنوعات.
وعليه، فإن المسؤولية الأخلاقية والقانونية تقتضي تحركاً عاجلاً لتطهير دوار البحارة من هذه البؤر السرطانية، لا يمكن أن تظل “الخضارة” واجهة للموت، ولا يمكن للمقاهي أن تتحول إلى مراكز لتوزيع “القرقوبي” تحت حماية أسماء وازنة، إن الواجب الوطني يحتم على السلطات المركزية إيفاد لجان تفتيش دقيقة للوقوف على حجم الفساد المستشري في هذه النقطة بالذات، وضرب يد من حديد على كل من سولت له نفسه التستر على هؤلاء المجرمين، مهما كانت رتبته أو وظيفته، فسيادة القانون لا تقبل التجزئة.
سؤال مباشر ومفتوح إلى قيادة الدرك الملكي بمركز سيدي بوزيد: إلى متى سيظل دوار ‘البحارة’ نقطة سوداء خارج التغطية الأمنية، وملاذاً آمناً لتجار السموم الذين يفسدون في الأرض؟ وهل وصلت الجرأة بهؤلاء المروجين إلى حد الاستقواء بجهات نافذة لتوفير الغطاء لمقاهٍ تبيع الموت وتدمر عقول الشباب جهاراً نهاراً وأمام الملأ؟ إن الساكنة تتساءل بمرارة: هل تنتظر الأجهزة الأمنية وقوع كارثة إنسانية أو اجتماعية لا تُحمد عقباها لكي تتحرك، أم أن الوقت قد حان لشن حملة تطهيرية واسعة تثبت أن سلطة القانون فوق الجميع ولا تستثني أحداً؟






تعليقات
0