أش واقع تيفي / عز الدين عادل
شهدت أشغال الجمع العام للعصبة الوطنية لكرة القدم الاحترافية تجديد الثقة في عبد السلام بلقشور رئيساً لولاية جديدة، في محطة تنظيمية بارزة تعكس بوضوح رغبة مكونات كرة القدم الوطنية في مواصلة نهج الاستمرارية، ويأتي هذا التجديد ليعزز الاستقرار داخل واحدة من أهم المؤسسات المشرفة على تدبير البطولة الوطنية، مكرساً مرحلة جديدة من العمل المؤسساتي المشترك، كما تميز هذا الموعد بالمصادقة على قرار استراتيجي قضى بنقل المقر الرسمي للعصبة من العاصمة الرباط إلى مدينة الدار البيضاء، وهو التحول الجغرافي الذي اعتبره المتتبعون خطوة ذات أبعاد تنظيمية ورياضية واقتصادية بالغة الأهمية.
وجاء انتخاب بلقشور لولاية ثانية في ظرفية دقيقة وحاسمة تعيشها كرة القدم المغربية، التي أصبحت اليوم مطالبة أكثر من أي وقت مضى بمواكبة الإشعاع القاري والدولي الاستثنائي الذي حققته المنتخبات الوطنية والأندية المغربية في السنوات الأخيرة. ولم تعد التحديات المطروحة أمام الجهاز المشرف مقتصرة على التدبير الكلاسيكي للمنافسات المحلية، بل أضحت تشمل بالدرجة الأولى تطوير الحكامة الرياضية، والرفع من جودة المنتوج الكروي الوطني، بالإضافة إلى تعزيز جاذبية البطولة الاحترافية وتنافسيتها على المستويين التسويقي والاستثماري.
ويرى المتابعون للشأن الرياضي المحلي أن تجديد الثقة في الرئيس الحالي يشكل اعترافاً صريحاً بالمجهودات الكبيرة التي بُذلت خلال الولاية السابقة، لا سيما في الشق المتعلق بحسن تدبير المنافسات وتطوير العلاقة المؤسساتية بين العصبة والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، غير أن هذا الاعتراف يضع المكتب المسير الجديد أمام مسؤوليات مضاعفة وأكثر تعقيداً، خاصة في ظل سقف الانتظارات المرتفع للأندية الوطنية، والجماهير الشغوفة، والإعلام الرياضي الذي يتابع تفاصيل المشهد الكروي بدقة.
وفي سياق متصل، يحمل قرار نقل مقر العصبة إلى العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء دلالات متعددة تخدم التوجهات المستقبلية للمؤسسة. فالمدينة لا تمثل فقط النبض المالي للمملكة، بل تحتضن أيضاً عدداً من أكبر الأندية الوطنية التاريخية والمؤسسات الرياضية الكبرى والشركاء الاقتصاديين الفاعلين، ومن شأن هذا القرب الجغرافي الجديد أن يسهم بشكل مباشر في تسهيل التنسيق الإداري، وتطوير الشراكات الاستراتيجية، فضلاً عن تعزيز الحضور المؤسساتي للعصبة داخل النسيج الرياضي والاقتصادي الوطني.
ومهما اختلفت القراءات والتحليلات حول هذه القرارات الجديدة، فإن الرهان الحقيقي والفيصل في تقييم هذه المرحلة سيظل مرتبطاً بمدى قدرة العصبة على تحويل الشعارات والخطط النظريّة إلى إنجازات ملموسة يشعر بها الفاعل الرياضي داخل الملاعب، فالجماهير المغربية بمختلف أطيافها لا تنتظر فقط تغييرات على مستوى الهياكل الإدارية أو انتقالاً جغرافياً للمقرات، بل تتطلع بشغف كبير إلى رؤية بطولة أكثر تنافسية، وبرمجة تتسم بالانتظام والوضوح، ومنظومة تحكيمية متطورة تواكب العصر.
إلى جانب ذلك، تتطلع المنظومة الكروية إلى رؤية أندية وطنية تمتاز بالاستقرار المالي والتنظيمي، وقادرة على مجابهة التحديات دون السقوط في أزمات تسييرية خانقة، وتضع المرحلة المقبلة عبد السلام بلقشور وفريقه المسير أمام اختبار حقيقي ومحك صعب، يتجلى في ضرورة الانتقال السلس والمدروس من منطق التدبير اليومي للأزمات والمباريات، إلى منطق البناء الاستراتيجي المستدام لكرة القدم الاحترافية المغربية، بما يضمن صيانة المكتسبات وتطويرها.
وتكتسي هذه الخطوات الاستراتيجية أهمية مضاعفة بالنظر إلى كون المملكة المغربية مقبلة على احتضان استحقاقات رياضية عالمية كبرى وقريبة، وهي المواعيد التي تتطلب بالضرورة توفر بطولة وطنية قوية ومؤسسات رياضية تدير اللعبة بأعلى درجات الفعالية والاحترافية، ولذلك، يصبح إصلاح المنظومة المحلية وتأهيلها ركيزة أساسية لإنجاح التظاهرات الدولية الكبرى وعكس الصورة المشرفة التي تليق بمكانة وتاريخ كرة القدم المغربية.
وبين تجديد الثقة في القيادة ونقل المقر إلى قلب النابض الاقتصادي، تفتح العصبة الوطنية لكرة القدم الاحترافية صفحة جديدة في سجلها التدبيري، وهي صفحة لن تُقاس نجاحاتها المستقبلية بعدد القرارات المتخذة أو الاجتماعات المنعقدة، بل بحجم الأثر الإيجابي الحقيقي والتحول الملموس الذي ستتركه هذه الدينامية على واقع الممارسة الكروية في البلاد، وعلى مستقبل الأجيال القادمة في عالم المستديرة.






تعليقات
0