أش واقع تيفي / الرباط
أصدرت وزارة الداخلية بتنسيق مع وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات قراراً مشتركاً يقضي بتحديد الأثمان القصوى لبيع الدقيق المدعوم برسم الموسم التسويقي 2026-2027 وحسب منطوق القرار الصادر في الجريدة الرسمية، فقد تم حصر سعر البيع للعموم في 100 درهم للقنطار الواحد بالأقاليم الجنوبية، مقابل 200 درهم في باقي جهات المملكة يأتي هذا في وقت حدد فيه النص التكلفة الإجمالية الحقيقية لإنتاج الدقيق الوطني في 325,37 درهماً، والدقيق الخاص في 342,43 درهماً للقنطار، متضمناً هوامش الطحن والمصاريف الأولية للمطاحن الصناعية.
وتضمن القرار المشترك شروطاً تقنية وصارمة لتوضيب هذا الدقيق بنسب استخراج محددة في 81% للنوع الوطني و74% للنوع الخاص، حيث ألزم المطاحن بتعبئته في أكياس من سعة 50 كيلوغراماً صافياً تحمل شريطاً أخضر واضحاً بعرض 10 سنتيمترات يوضع في وسط الواجهتين، مع وجوب طباعة رقم تسلسلي فريد على الأكياس أو بطاقاتها التعريفية وتسجيله في وصولات التسليم المصاحبة. كما أشار النص إلى تحمل المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني (ONICL) لكافة مصاريف النقل والمناولة لضمان إيصال الدقيق إلى المراكز المستفيدة في الجنوب، مقابل استرجاع اقتطاع جزافي قدره 0,50 درهم للقنطار من مطاحن باقي الجهات.
ورغم الطابع التنظيمي والتقني الذي يحمله هذا القرار، إلا أن القراءة المتأنية في أبعاده تضعنا أمام مفارقة اجتماعية واقتصادية صارخة لا يمكن لعين الصحافة المهنية والمسؤولة أن تتجاوزها إن إصرار المدبر العمومي على نهج التمييز الجغرافي في أسعار مادة حيوية كالدقيق يعكس غياب رؤية موحدة ومحدثة لمفهوم العدالة الاجتماعية؛ فالأسر المعوزة والفئات الهشة والفقيرة التي تحتاج الدعم متواجدة بكثافة في هوامش الدار البيضاء، وفجاج الأطلس، وقرى الريف والجنوب الشرقي، تماماً كما هي موجودة في العيون والداخلة، مما يجعل المعيار المكاني قاصراً عن تحقيق الاستهداف الفعلي.
ومن وجهة نظرنا المهنية، كان من المفروض والأنسب على الحكومة استغلال الطفرة الرقمية وقواعد البيانات المتاحة اليوم عبر نظام التغطية الصحية الإجبارية (AMO) والسجل الاجتماعي الموحد لتوجيه هذا الدعم المنطق التدبيري السليم يقتضي أن تمنح ميزة اقتناء قنطار الدقيق بـ100 درهم بناءً على الحاجة والهشاشة لكل مواطن يحمل بطاقة “AMO” أو مسجل في خانة الدعم الاجتماعي بشتى ربوع المملكة، في حين يشتري المواطن الميسور وغير المستهدف الدقيق بسعر 200 درهم، وهو ما يضمن الكفاءة العالية للإنفاق العمومي وحماية ميزانية الدولة من الهدر غير المبرر.
وإلى جانب غياب العدالة التوزيعية، يبرز تساؤل حارق يفرض نفسه بقوة على أرض الواقع: ما هي الآليات الحقيقية والضمانات التي تملكها الدولة لمنع تهريب وتوجيه دقيق الجنوب نحو أسواق الشمال والوسط؟ إن فارق السعر الذي يصل إلى 100 درهم كاملة في القنطار الواحد يشكل بيئة خصبه ومحفزاً يسيل لعاب المضاربين وتجار الأزمات، الذين لن يتوانوا عن تحويل الشحنات المدعومة الموجهة للأقاليم الصحراوية وإعادة بيعها في المدن الأخرى للاغتناء غير المشروع، مما يجعل إجراءات الأرقام التسلسلية والأشرطة الخضراء مجرد حبر على ورق أمام غياب المراقبة الطرقية والصارمة في نقط التفتيش.
إن إقرار سياسات دعم عمومي بهذا الشكل التقليدي يضعنا أمام علامات استفهام مشروعة ومقلقة حول مدى حضور الحكمة والتعقل في مطبخ صناعة القرار الاقتصادي ببلادنا، فهل خلت المؤسسات من العقلاء الذين ينتبهون لثغرات واضحة تُهدد بتبديد أموال دافعي الضرائب؟ إن حماية القوت اليومي للمغاربة وضمان السلم الاجتماعي يقتضيان الانتقال الفوري من الدعم القطاعي الأعمى الذي يستفيد منه المضارب والميسور، إلى الدعم المباشر والمشروط بنظام المقاصة الرقمي، لكي لا يتحول دقيق الفقراء مجدداً إلى غنيمة باردة في أيدي مافيات التهريب.






تعليقات
0