أش واقع تيفي / الجديدة
تحوّلت حملة حجز 370 قنينة شيشة بسيدي بوزيد إلى صدمة اجتماعية حقيقية، تجاوزت بعدها الزجري لتكشف هشاشة المقاربة المعتمدة في تدبير قطاع يشغّل مئات الأسر بشكل مباشر وغير مباشر، دون أي تمهيد أو بدائل واضحة تحفظ كرامة العاملين واستقرارهم الاجتماعي.
القرار، وإن قُدِّم في إطار حماية الصحة والنظام العام، نُفّذ بمنطق أمني صرف، متجاهلًا أن وراء كل مقهى مُغلق عمالًا ونادلات ونُدُلًا قضوا سنوات في هذه المهنة، وبنوا عليها مورد عيشهم الوحيد، في غياب أي سياسات إدماج أو انتقال مهني تراعي واقعهم.
بين ليلة وضحاها، وجد “السرباي” الذي يعيل أسرة كاملة نفسه في الشارع، بلا دخل ولا أفق، في منطقة تعرف أصلًا هشاشة الشغل الموسمي وندرة فرص العمل القار. السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس قانونية القرار فقط، بل إنسانيته وجدواه الاجتماعية.
الإغلاق الشامل دون بدائل عملية يفتح الباب أمام نتائج عكسية خطيرة، إذ لا يمكن للدولة أن تُغلق مصدر رزق دون أن تفكر في المآلات الاجتماعية المحتملة، من بطالة قسرية، إلى الانزلاق نحو ممارسات هامشية يفرضها اليأس وغياب الأفق، وهو ما يتعارض مع منطق الوقاية الذي يُرفع كشعار.
الأكثر إثارة للقلق أن المقاهي المعنية ليست وحدات سرية أو خارجة عن أعين السلطات، بل اشتغلت لسنوات في وضح النهار، في إطار واقع معلوم للجميع. فكيف يُعقل أن يتحمّل العامل البسيط وحده كلفة اختلالات تنظيمية لم يكن طرفًا في صنعها؟
إن المقاربة السليمة تقتضي التمييز بين التنظيم والمنع، وبين التقنين والتجريم. كان الأجدر فتح حوار حقيقي مع المهنيين، ووضع دفتر تحملات واضح، ومواكبة انتقالية تسمح بتسوية الوضعيات أو تحويل النشاط، بدل اعتماد قرارات فجائية تُراكم الاحتقان بدل حله.
كما أن حماية الصحة العمومية لا تتحقق بالإغلاق وحده، بل بالتأطير والمراقبة والتدرج، وبإشراك الفاعلين الاجتماعيين في صياغة حلول واقعية، تحفظ الحق في الشغل كما تحفظ الحق في السلامة، دون أن يكون أحدهما على حساب الآخر.
ما جرى بسيدي بوزيد يعيد طرح سؤال العدالة الاجتماعية في القرارات الإدارية، ويؤكد أن أي قرار لا يضع الإنسان في صلبه، ولا يفكر في البديل قبل المنع، يظل قرارًا ناقصًا، مهما كانت مبرراته، لأن التنمية الحقيقية لا تُبنى بتشريد المعيلين، بل بحماية كرامتهم وحقهم في العيش الكريم.






تعليقات
0