فاجعة الحوض المائي بالجرف الأصفر: عندما تتحول الثروة الصناعية إلى لعنة قاتلة للعمال والساكنة

خلية التحرير الإثنين 26 يناير 2026 - 16:19

أش واقع تيفي /الجديدة

لم يعد “الجرف الأصفر” بمثابة الرئة الاقتصادية التي تتنفس منها المنطقة، بل تحول إلى “غول” صناعي يبتلع الأرواح البشرية ويقذف بسمومه في صدور الساكنة، فاجعة وفاة العامل الخمسيني، الذي جرفه “حوض مائي” بآلاته الدوارة، ليست مجرد حادث عرضي، بل هي مرآة تعكس حجم الاستهتار بشروط السلامة المهنية داخل وحدات صناعية تراكم الملايير، بينما تسترخص دماء “أبناء الشعب” الذين يواجهون الموت في ظروف شغل تفتقر لأدنى معايير الحماية والكرامة.

إن هذا الحادث الأليم الذي اهتزت له مدينة الجديدة، يطرح تساؤلات حارقة حول دور لجان المراقبة والتفتيش داخل هذا المركب الضخم. فكيف لعامل في عقده الخامس أن يسقط في حوض مائي مجهز بمراوح صناعية دون وجود حواجز وقائية أو أنظمة إنذار مبكر؟ إنها “جريمة إهمال” مكتملة الأركان تتطلب تحقيقاً لا يقف عند حدود “القضاء والقدر”، بل يغوص في كواليس الشركات الخاصة التي تستنزف جهد العمال وتتركهم في مواجهة مباشرة مع “مراوح الموت”.

وبالتوازي مع نزيف الأرواح، يواصل الجرف الأصفر إبادة البيئة المحيطة به، حيث تحولت حياة الساكنة المجاورة إلى جحيم لا يطاق بسبب الروائح الكريهة والغازات المنبعثة التي تخنق الأنفاس، هذا التلوث العابر للحدود البيئية، الذي يزكم الأنوف ويسبب أمراضاً تنفسية مزمنة، يتم في ظل صمت مريب من المجالس المنتخبة، وعلى رأسها جماعة مولاي عبد الله، التي تبدو وكأنها استقالت من دورها في حماية صحة المواطنين مقابل التمتع بامتيازات القرب من هذا المارد الصناعي.

إنه لمن العار أن تعيش جماعة تحتضن أكبر تجمع صناعي في أفريقيا، على وقع “الروائح الكريهة” والطرقات المهترئة والمرافق المعطلة، فبينما يتبجح البرلمانيون والمنتخبون في قبة البرلمان بإنجازاتهم الوهمية، يغرق المواطن البسيط في دوامة التلوث، ويغرق العامل في أحواض الموت، وتغرق المنطقة برمتها في تهميش ممنهج يثبت أن “المسؤولية المحلية” في هذا الإقليم أصبحت مجرد حبر على ورق، أو بضاعة انتخابية تنتهي صلاحيتها فور إغلاق صناديق الاقتراع.

إن الجمع بين فاجعة “الغرق الصناعي” وبين “الاختناق البيئي” يرسم لوحة قاتمة لواقع التنمية في إقليم الجديدة، الساكنة لم تعد تطالب بالرفاهية، بل تطالب بالحق في “الحياة” الحق في العمل دون خوف من الغرق، والحق في التنفس دون استنشاق سموم المصانع، إنها معادلة بسيطة عجز مدبرو الشأن المحلي عن حلها، مفضلين الانزواء في مكاتبهم المكيفة، بعيداً عن روائح “الجرف” الكريهة وآهات العائلات المكلومة.

إن دم العامل الخمسيني الذي انتشلته فرق الغطس من قعر الحوض المائي، هو صرخة في وجه كل مسؤول استأمنه الناس على أرواحهم فخان الأمانة. إن المحاسبة يجب أن تطال الرؤوس الكبيرة قبل الصغيرة، وعلى سلطات الرقابة أن تفتح ملف “السلامة والبيئة” في الجرف الأصفر على مصراعيه، فكرامة المواطن الدكالي ليست رخيصة إلى الحد الذي تدهس فيه تحت عجلات الماكينات أو تذوب في أحواض السموم والمياه العادمة.

وإذ تضع “الجريدة” هذه الملفات الحارقة فوق طاولة النقاش العمومي، فإنها تؤكد انفتاحها الكامل واستعدادها التام لنشر أي توضيحات أو ردود رسمية من الجهات المسؤولة، سواء من مركب الجرف الأصفر والجهات الوصية على قطاع الأوقاف، نحن لا نمارس النقد من أجل النقد، بل ننقل صرخة واقع يئن تحت وطأة الإهمال، ومن حق الرأي العام أن يسمع إجابات مقنعة لا وعوداً تسويفية، فمنصتنا مفتوحة لكل من يملك الشجاعة لتفنيد هذه الحقائق الموثقة بالصوت والصورة، أو تقديم جدول زمني حقيقي لرفع الضرر عن ساكنة إقليم الجديدة والجرف الأصفر التي سئمت لغة الصمت والهروب إلى الأمام.

تابعوا آخر الأخبار من أش واقع على Google News تابعوا آخر الأخبار من أش واقع على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أش واقع على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 24 يناير 2026 - 10:45

ثورة سياحية بالجديدة.. استثمار فرنسي وخبرة عالمية يُطلقان منتجعاً بمواصفات 7 نجوم ليصبح وجهة المستقبل الساحلية الأرقى بالمملكة

الأربعاء 21 يناير 2026 - 13:44

بعثة الاتحاد الأوروبي بالرباط تجمع الفاعلين في منصة وطنية لتعزيز السياسات العمومية.

السبت 17 يناير 2026 - 13:58

حرب باردة داخل المستشفى الإقليمي ببيوكرى… صراعات داخلية، خدمات مشلولة، وصحة المواطنين في مهب الريح

الخميس 8 يناير 2026 - 18:15

بغياب الرئيس المعزول.. عبد الله الحافظ يتسلّم مفاتيح تسيير جماعة سيدي قاسم