أش واقع تيفي / الجديدة
تتجه الأنظار بمدينة الجديدة وأزمور، خلال الفترة الممتدة من 9 إلى 13 يونيو 2026، صوب فعاليات الدورة السابعة عشرة لـ “أسبوع البيئة”، المنظم من طرف “جمعية دكالة” بشراكة مع “رابطة جمعيات المجتمع المدني لأزمور والنواحي”، وتحت الرئاسة الشرفية لصاحبة السمو الملكي الأميرة لالة حسناء، وفقاً لما تحمله دورة هذا العام تحت شعار “الحفاظ والتنمية المستدامة للساحل المغربي: الديناميات والتحديات”، في خطوة تسعى من خلالها الجهات المنظمة إلى إعطاء انطباع بالاستمرارية والالتزام بقضايا البيئة والتنمية، غير أن هذا الالتزام المكتوب على الأوراق يصطدم بأسئلة حارقة تطرحها ساكنة الإقليم حول الجدوى الحقيقية والنتائج الملموسة لهذه التظاهرة بعد قرابة عقدين من الزمن.
إن المتأمل في مسار “أسبوع البيئة” منذ بداياته الأولى وإلى حدود النسخة الحالية لا يملك إلا أن يتساءل بمرارة: ماذا قدمت هذه الدورات المتعاقبة لمدينة الجديدة على أرض الواقع؟ فالشارع الجديدي بات يضج بالتساؤلات المستنكرة حول الإضافة الحقيقية التي بصمت عليها “جمعية دكالة” طيلة هذه السنين، في وقت يعيش فيه المشهد البيئي المحلي تراجعاً مستمراً، وتغيب فيه المساحات الخضراء والحلول البيئية المستدامة الدائمة، ليتحول الحدث السنوي في نظر الكثيرين إلى برامج حبر على ورق، تستهلك ميزانيات ضخمة دون أن تترك أثراً ملموساً يغير من واقع المدينة أو يخدم المصلحة العامة للساكنة.
ولعل ما يعمق غضب المجتمع المحلي هو غياب رؤية استراتيجية تتجاوز الأنشطة الموسمية والاستعراضية التي تنتهي بانتهاء أيام التظاهرة، حيث يعيب الفاعلون المحليون على المنظمين الاكتفاء بندوات مغلقة وحملات تنظيف عابرة لا تسمن ولا تغني من جوع بيئي، إن مقارنة بسيطة بين ما يتم الترويج له في الملصقات والبرامج الرسمية، وبين ما يعاينه المواطن اليومي في شوارع وشواطئ الجديدة، تكشف عن فجوة عميقة وخلل واضح في ترتيب الأولويات، مما يجعل الساكنة تطالب بقطع دابر هذه “البرامج الورقية” والتوجه رأساً نحو مشاريع بيئية مستدامة ذات نفع دائم يعود بالفائدة على المجال البيئي للإقليم.
وتتجسد قمة العبث وسوء التدبير البيئي والمواطناتي فيما شهدته دورة السنة الفارطة، حينما جرى توجيه الجهود والإمكانيات لصباغة جدران شاطئ الجديدة ووضع رسومات حائطية تزيينية، في خطوة تم تسويقها بحماس والتقاط صور تذكارية معها، على الرغم من أن الجميع، بما في ذلك أعضاء من “جمعية دكالة” أنفسهم والساكنة، كانوا على دراية تامة بأن هذه الجدران مصيرها الهدم القريب ضمن مخططات تأهيلية أو تنظيمية، ولم يمر شهر واحد على تلك العملية الاستعراضية حتى هُدمت الجدران وضاعت تلك الجهود والأموال هباءً منثوراً، في صورة تلخص واقع “الإنفاق على الخاوي” الذي تشتكي منه الساكنة.
إن هذا العبث بمقدرات العمل الجمعوي والبيئي يسائل بشكل مباشر قائمة المدعمين والشركاء الوازنين الظاهرين في ملصق هذه الدورة، والذين يصنفون ضمن الفئات الذهبية والفضية، وفي مقدمتهم المجمع الشريف للفوسفاط (OCP)، بالإضافة إلى شركات رائدة أخرى مثل “طاقة المغرب” (TAQA Morocco)، و”بنك إفريقيا” (Bank of Africa)، ومجموعة “كوبير فارما” (Cooper Pharma)، و”مرسى المغرب” (Marsa Maroc)، فضلاً عن مؤسسات أخرى كـ “مؤسسة أولاد الشاوية” وشركة “كوزيمار”. ويمثل هؤلاء المدعمون رافعة مالية واقتصادية ضخمة تثير لعاب العمل الجمعوي، لكنها في الوقت ذاته تضعهم أمام مسؤولية اجتماعية وأخلاقية جسيمة تجاه سكان المنطقة الذين يرون أن هذه التمويلات تذهب في الاتجاه الخاطئ، خاصة وأن المفارقة الصادمة تكمن في كون بعض هذه الشركات الكبرى الداعمة تعد في الأصل من المسببين الرئيسيين في تلوث البيئة وتدهورها بمدينة الجديدة ونواحيها، فلو كانت قضايا البيئة تهم هذه المنشآت الصناعية والاقتصادية بحق، لوضعت خارطة بيئية حقيقية وملموسة للحد من انبعاثاتها ومخلفاتها على طول السنة، بدلاً من الاختباء وراء تمويل “أسبوع بيئي” صوري على الأوراق، يمر كـ “سحابة صيف عابرة” وتعدي، دون أن يغير من واقع التلوث المرير الذي يتجرع مرارته سكان الإقليم يومياً.
ومن هذا المنطلق، باتت الساكنة المحلية تطالب بضرورة مراجعة سياسات الدعم المالي التي تنهجها هذه الشركات العالمية والمؤسسات الوطنية الكبرى، حيث يسود إجماع شعبي على أنه حبذا لو وجهت هذه الجهات المانحة دعمها السخي صوب جمعيات جادة ومسؤولة، تضع مصلحة المدينة الحقيقية فوق كل اعتبار، وتعمل على تنزيل مشاريع حيوية ملموسة تخدم البنية التحتية البيئية، بدلاً من تزكية ومباركة برامج وهمية لا يتعدى وهجها منصات الخطابة والتقاط الصور، ثم تختفي تاركة وراءها فراغاً تنموياً يثير حنق المواطنين.
وتحتاج مدينة الجديدة، أكثر من أي وقت مضى، إلى بيئة نظيفة حقيقية ومساحات خضراء دائمة تشكل متنفساً حقيقياً للأسر والأطفال، وليس إلى حملات صباغة مؤقتة أو ورشات صورية تنتهي بانتهاء التمويل؛ فالمدينة التي تواجه تحديات بيئية وصناعية كبرى تستحق أن تصرف هذه الميزانيات المرصودة لها على “العامر” أي على المشاريع الهيكلية والحلول المستدامة التي تبقى شاهدة على التنمية، لا على “الخاوي” الذي يتبخر سريعاً بمجرد إسدال الستار على الحفل الختامي للأسبوع البيئي.
ختاماً، إن استمرار “جمعية دكالة” في نهج نفس الأسلوب التقليدي والاستعراضي في دورتها الـ 17 يضعها في عين العاصفة وأمام محاسبة شعبية تفرض عليها تقديم كشف حساب علني وشفاف حول الحصيلة الملموسة لـ 17 سنة من العمل، فالساكنة لم تعد تتقبل شعارات التنمية المستدامة والحفاظ على الساحل بينما الواقع يثبت العكس، وقد آن الأوان للقطع مع سياسة البرامج الجاهزة والالتفات إلى الإرادة الشعبية لساكنة الجديدة التي تتطلع لمدينة تليق برعايتها الشرفية العليا وبحجم الاستثمارات الموجهة إليها.






تعليقات
0