أش واقع تيفي / الدار البيضاء
لم يعد غريباً في المشهد المحلي ببن امسيك وسباتة أن تتدخل الحسابات الضيقة في إفساد أنبل المبادرات، لكن أن يصل الأمر إلى تحويل منصات تكريم التلامذة المتفوقين إلى مسارح للبروباغندا الانتخابية المبكرة، فهذا منعطف يثير الكثير من القلق والاشمئزاز، فالحفل الأخير الذي نظمته عمالة مقاطعات بن امسيك لتتويج النوابغ، لم يكن مجرد مناسبة للاحتفاء بالجهد والتحصيل العلمي، بل بدا لعدد من المراقبين كأنه سوق للمزايدات السياسية، صُمم خصيصاً لتلميع وجوه انتخابية مألوفة تبحث عن شرعية رمزية مفقودة قبل أوان الاستحقاقات الرسمية.
لقد تتبع الحاضرون والمتابعون بكثير من التوجس كيف تهافت بعض المنتخبين المحليين، رفقة مسؤولي العمالة، على اعتلاء المنصة لتسليم الجوائز لأغلب المتفوقين، في تدافع غير مبرر للظهور أمام عدسات الكاميرات، هذا الحضور المكثف واللافت لشخصيات سياسية بعينها يطرح علامات استفهام حارقة حول الغاية الحقيقية من وراء هذا الاحتفاء: هل هو تكريم حقيقي لجهود الناشئة، أم أنه مجرد “حملة انتخابية مستترة” يتم تمويلها ورعايتها بغطاء رسمي وعلى حساب براءة التميز الدراسي؟
ولعل السقطة البروتوكولية والأخلاقية التي فضحت هذه الحسابات الضيقة، تجلت بوضوح في طريقة التعامل مع التلميذة الحاصلة على أعلى معدل في الباكالوريا بمقاطعة سباتة ففي الوقت الذي تسابق فيه المسؤولون والمنتخبون لالتقاط الصور مع تلامذة آخرين، تم تهميش هذه النابغة المنتمية لمؤسسة خصوصية، واقتصر تسليم جائزتها على مديرة مؤسستها، في مشهد يبعث على التساؤل والارتياب؛ هل غاب “الفرسان” لأن بريق الصورة هناك لم يكن يخدم التموقع الجغرافي والانتخابي الذي يطمحون إليه، أم أن معايير الحظوة والظهور تخضع لمنطق الزبونية حتى في لحظات التميز؟
إن هذا السلوك لا يمثل مجرد هفوة تنظيمية عابرة، بل هو تجسيد حي لإشكالية أخلاقية وقانونية عميقة تتعلق بـ”استغلال النفوذ الرمزي” وتحوير وظيفة الإدارة الترابية والمؤسسات المنتخبة، فعوض أن تظل الإدارة حكماً محايداً يسهر على تكافؤ الفرص وتشجيع الجميع بدون خلفيات، نجدها تفتح الأبواب لمنتخبين يستغلون جراح وتطلعات الأسر ليرسموا لأنفسهم هالة “الرعاة والداعمين”، في خرق سافر للأعراف الديمقراطية وضوابط الحياد التي يجب أن تطبع الأنشطة العمومية.
ويرى مراقبون محليون أن هذا التموقع المبكر يكشف عن قلق وهلع حقيقيين يعيشهما بعض الفاعلين السياسيين في المنطقة، والذين لم يجدوا بداً من الركوب على إنجازات التلاميذ لتعويض غيابهم الميداني طوال السنوات الماضية، فالوصول إلى عقول وقلوب الساكنة لا ينبغي أن يمر عبر السطو على لحظات فخر العائلات وأبنائها، بل عبر تقديم حصيلة عمل ملموسة ومشاريع حقيقية تنهض بالبنية التحتية والخدمات الاجتماعية المتردية في أحياء بن امسيك وسباتة.
إن دق ناقوس الخطر بات فرض عين على كل الفاعلين التربويين والجمعويين بالمنطقة لوقف هذا العبث بمستقبل الناشئة وبصورة التعليم، لقد حان الوقت لفرض فصل تام وصارم بين الممارسة السياسية الحزبية والأنشطة التربوية والاجتماعية التي تمول من المال العام، فالأجيال الصاعدة بحاجة إلى قدوة تحترم القانون والنزاهة، لا إلى نخب سياسية تعتبر كل محفل عمومي فرصة سانحة لصيد الأصوات الانتخابية والظهور الإعلامي الباهت.






تعليقات
0