أش واقع تيفي / الجديدة
تطرح تزكية حزب الأصالة والمعاصرة للنائب البرلماني محمد مهذب وكيلاً للائحته في الاستحقاقات المقبلة بإقليم الجديدة، علامات استفهام كبرى حول المعايير الحقيقية التي تعتمدها القيادات الحزبية في منح صكوك الغفران السياسي وتجديد الثقة في وجوه غابت طويلاً عن المشهد التشريعي، ففي الوقت الذي كان فيه الرأي العام المحلي ينتظر غربلة سياسية تُقْصي من أخلفوا موعدهم مع التنمية، جاء هذا القرار ليعكس فجوة عميقة بين تطلعات الشارع الذي يئن تحت وطأة الأزمات، وبين حسابات تزكية المقاعد التي تبدو منفصلة تماماً عن واقع الكفاءة والإنتاجية التشريعية.
إن العودة إلى الحصيلة الرقابية للنائب المحترم تكشف عن “صدمة رقمية” حقيقية للمتتبعين، حيث تكاد تنعدم البصمة السياسية لممثل الإقليم داخل قبة البرلمان طيلة ولاية كاملة، لم يسجل فيها سوى حضور باهت لا يتعدى سؤالين شفهيين وصفر سؤال كتابي، هذا الغياب شبه التام عن توظيف آليات الرقابة البرلمانية يضع النائب في موقف حرج أمام ناخبيه، ويحول صفة “ممثل الأمة” إلى مجرد لقب بروتوكولي يفتقد للأثر الفعلي، ما يجعل الساكنة تتساءل بمرارة عن جدوى إرسال ممثلين إلى الرباط يتقنون الصمت أكثر مما يتقنون الترافع عن هموم الإقليم الواسع.
ومن المفارقات الصارخة التي يعيشها إقليم الجديدة، أن هذا الشلل في الترافع البرلماني يتزامن مع واقع محلي متأزم يعكس فشلاً تدبيرياً يراه المواطن يومياً في الشارع والحي والقرية، فالحديث عن إنجازات ميدانية في ظل وجود مشاريع هيكلية جاهزة لكنها تظل مغلقة لسنوات، مثل سوق الجملة، والمحطة الطرقية الجديدة، ومحطة سيارات الأجرة، يحول هذه المنشآت إلى مجرد مجسمات إسمنتية للزينة، تشهد على عجز النخبة السياسية عن تحريك عجلة التنمية وفك البلوكاج الذي يرهن مصالح الساكنة.
ويمتد هذا العجز الترافعي ليشمل قطاعات حيوية تمس الحياة اليومية للمواطن الدكالي، وفي مقدمتها قطاع الصحة الذي تحول فيه المستشفى الإقليمي، بسبب ضعف التجهيزات والخصاص المهول، إلى ما يشبه “محطة عبور” وتوجيه قسري نحو المصحات الخاصة، دون أن يثير هذا الوضع قلقاً تشريعياً يدفع النائب لانتزاع حلول من الوزارة الوصية، هذا التردي يوازيه تدهور حاد في البنية التحتية والنقل الحضري، حيث غابت المساحات الخضراء واحتلت الحفر الشوارع، لتقدم المدينة السياحية وجهاً شاحباً لا يعكس إطلاقاً حجم مقدراتها.
ولعل أشد ما يثير الاستفزاز في هذه الحصيلة “الصفرية”، هو التناقض الصارخ بين المؤهلات الاقتصادية للإقليم والواقع الاجتماعي لشبابه، فالجديدة تحتضن أحد أكبر المركبات الصناعية في المملكة، ومع ذلك يسجل الإقليم معدلات بطالة وتهميش قياسية بين صفوف حاملي الشهادات، هذا الفشل في ربط الاستثمار السوسيو-اقتصادي بالتشغيل المحلي يعود بالدرجة الأولى إلى غياب قوة ترافعية سياسية قادرة على فرض العدالة المجالية وانتزاع برامج تشغيل وتكوين حقيقية من الشركاء الاقتصاديين.
وأمام هذا الوضع، يصبح التراكم الحزبي المبني على البلاغات والأنشطة التنظيمية والصور التذكارية بلا قيمة في بورصة التقييم الشعبي، لأن المواطن لا يسائل البرلماني عما يدور في كواليس المقرات الحزبية، بل يسائله عما تحقق على أرض الواقع من مشاريع واعتمادات، إن قياس نجاعة النائب لا يتم بعدد المرات التي حظي فيها بالتزكية، بل بحجم الملفات الكبرى التي نجح في حسمها أو الدفع بها إلى الأمام، وهو ما يبدو غائباً تماماً في حصيلة مهذب التي تخلو من أي بصمة استراتيجية واضحة.
إن تجديد الثقة في نواب بـأداء رقابي شبه منعدم يطرح إشكالاً ديمقراطياً عميقاً حول قيمة الأصوات التي منحتها الساكنة في صناديق الاقتراع، ويعطي انطباعاً سلبياً بأن المعيار الوحيد للاستمرار في المشهد هو القدرة على الحفاظ على “الوضع القائم” دون إزعاج بالأسئلة أو إحراج بالملفات، هذا السلوك السياسي يساهم في تعميق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، ويجعل من الحملات الانتخابية المقبلة مجرد إعادة تدوير لوعود قديمة أخفقت الولاية الحالية في تنزيل ولو جزء يسير منها.
وفي انتظار أن يخرج النائب المحترم عن صمته الطويل ليقدم للرأي العام مبررات مقنعة لهذه الحصيلة الهزيلة، سيبقى الشارع بالجديدة ينظر إلى هذه التزكية بكثير من التوجس والرفض المكتوم، فالإقليم الذي يمتلك كل مقومات الريادة يستحق تمثيلية برلمانية شرسة تنتزع المكتسبات في العاصمة، لا نخبة تكتفي بمشاهدة القطار التنموي يمر نحو أقاليم أخرى استطاع ممثلوها تحويل الترافع السياسي إلى واقع ملموس من المشاريع والاستثمارات المهيكلة.
المادة: 2 /2026






تعليقات
0