تحت غطاء الوثائق الإدارية: مجزرة بيئية تلتهم غابة الحوزية ومخاوف من تحويل المتنفس الأخير إلى مشاريع عقارية بالجديدة

خلية التحرير الثلاثاء 23 يونيو 2026 - 21:18

أش واقع تيفي / الجديدة

تواجه غابة جماعة الحوزية بإقليم الجديدة، في الأيام القليلة الماضية، واحدة من أخطر الهجمات البيئية الممنهجة التي تستهدف رصيدها الشجري وثروتها الغابوية الفريدة، وسط حالة من الغليان الشعبي والاستنكار الواسع من قبل الساكنة والفاعلين الحقوقيين والجمعويين بالمنطقة، ولم تعد مشاهد سقوط الأشجار مجرد ممارسات معزولة أو عشوائية، بل تحولت إلى ما يشبه تدميراً كاملاً ومنظماً لأهم الفضاءات الطبيعية الساحلية الإستراتيجية بالإقليم، مما ينذر بكارثة بيئية حقيقية تمس مباشرة جودة الحياة وتوازن النظم الإيكولوجية المحلية في غياب أي تدخل حازم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

وتكتسي هذه الفاجعة البيئية خطورة مضاعفة بالنظر إلى المكانة الجغرافية والتاريخية لهذا الموقع، حيث تمثل غابة الحوزية المتنفس الطبيعي والشاطئي الوحيد المتبقي لساكنة مدينتي الجديدة وأزمور والزوار على حد سواء، بعد أن زحف الإسمنت على معظم المساحات الخضراء المحيطة، إن محاولة اغتيال هذا الفضاء الإيكولوجي لا تقتصر آثارها على تدمير الغطاء الشجري، بل تمتد لتضرب في العمق الذاكرة الجماعية للمنطقة، وتحديداً بالمجال الحيوي المجاور لمعلمة “منارة سيدي مسباح” التاريخية، التي ظلت لقرون صامدة وشاهدة على الهوية البيئية والثقافية للإقليم قبل أن تطالها معاول الإبادة الحالية.

وفي الوقت الذي كانت فيه الساكنة تنتظر حماية صارمة لهذه الثروة، تفجرت المعطيات عقب ظهور وثيقة إدارية رسمية صادرة عن السلطات المحلية بقيادة الحوزية تجسد منح شهادة تسمح لأحد الخواص، بناءً على محضر سمسرة عمومية، باقتلاع عدد محدد من الجذوع المقطوعة وأشجار الكالبتوس بمحيط المنارة، غير أن المثير للصدمة والريبة هو الاستغلال المفضوح والمنحرف لروح ونص هذه الرواية الإدارية على أرض الواقع، حيث تحولت هذه التراخيص المحدودة في الأصل إلى صك أبيض لارتكاب ممارسات تخريبية واسعة النطاق تجاوزت بكثير الحدود المسطرة والمسموح بها قانوناً.

لقد كشفت المعاينات الميدانية والصور الموثقة من عين المكان عن مفارقة صارخة وتناقض فاضح بين ما تضمنته الشهادة الإدارية من رخص لاقتلاع جذوع يابسة أو أشجار مقطوعة ومحددة سلفاً، وبين التدمير الفعلي الممارس في واضحة النهار، والذي استهدف أشجار كالبتوس خضراء، ناضجة، وفي طور النمو الطبيعي السليم، إن قطع هذه الأشجار الحية، التي تمثل رئة المنطقة، يعكس بوضوح رغبة جامحة في استغلال الغطاء القانوني لتصفية الغابة الحية وإعدام مكوناتها الطبيعية، مما يؤكد أننا لسنا أمام عملية تهيئة أو تنقية روتينية، بل أمام استغلال بشع للوثائق لتحقيق مكاسب بيئية مدمرة على حساب المصلحة العامة.

هذا الوضع الكارثي يعيد إلى الأذهان سلسلة الصيحات والتحذيرات التي سبق لجريدة “أش واقع” أن رفعتها منذ شهر يوليو من العام الماضي 2025، حينما راسلت الجريدة رسمياً الوكالة الوطنية للمياه والغابات مستفسرة عن الأسباب الغامضة والمفاجئة وراء موت وجفاف أشجار الكالبتوس في مناطق معينة ومعدودة بالذات داخل هذه الغابة واليوم، يتضح بشكل جلي أن ذلك الصمت المطبق والتجاهل المستمر الذي قوبلت به استفساراتنا الصحفية والمطالب الحقوقية لم يكن إلا مقدمة لشرعنة هذا الوضع الحالي، مما يفتح الباب واسعاً أمام التساؤلات المشروعة حول وجود مخططات غير معلنة لتجريد المنطقة من رصيدها الشجري.

وأمام هذا التجاوز الميداني الخطير، تطرح علامات استفهام حادة وشديدة اللهجة حول غياب آليات المراقبة والتتبع الصارمة من طرف مصالح المياه والغابات والسلطات الإقليمية، التي كان من المفترض أن ترافق وتراقب كل خطوة من عمليات الاقتلاع والقطع لضمان عدم المساس بالأشجار الحية، إن ترك الحبل على الغارب للجهات المنفذة للعبث بالثروة الغابوية خارج الضوابط الإدارية المحددة، يضع الجهات الرقابية والمحلية في موقف يسائل مسؤوليتها المباشرة عن حماية الملك الغابوي، ويثير الشبهات حول التساهل مع خروقات تهدد الأمن البيئي للإقليم ككل.

ولم يعد يخفى على أحد من المهتمين والفاعلين المحليين بالجديدة أن هذه الهجمة الشرسة لتصفية الغابة وإعدام أشجارها الخضراء تخفي وراءها أطماعاً ولوبيات تتربص بهذا الوعاء العقاري الإستراتيجي المطل على الساحل، بغرض تحويله مستقبلاً إلى مجمعات سكنية وعمارات إسمنتية أو مشاريع استثمارية خاصة، إن محاولة قتل الغابة الوحيدة الباقية بالمنطقة والتمهيد لتغيير معالمها الطبيعية تحت مبررات واهية، يعد جريمة مكتملة الأركان في حق مستقبل الأجيال القادمة، وتضحية ببيئة الإقليم ومؤهلاته الإيكولوجية من أجل إرضاء جشع المضاربات العقارية التي لا تعير أي وزن لحقوق الساكنة في بيئة سليمة.

إن خطورة ما يحدث بغابة الحوزية ومحيط منارة سيدي مسباح يستوجب اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، تحركاً فورياً ومستعجلاً من طرف المصالح المركزية لوزارة الداخلية والوكالة الوطنية للمياه والغابات لفتح تحقيق رسمي وقضائي معمق يكشف عن كل المتورطين في هذه المجزرة البيئية الناتجة عن الانحراف في استعمال الوثيقة الإدارية، إن الرأي العام المحلي لن يرضى بغير إيقاف هذه الأشغال فوراً، ومحاسبة العابثين بالثروة الغابوية، وإعادة الاعتبار لهذا الفضاء الإيكولوجي التاريخي ليبقى صامداً في وجه كل مخططات الهدم والتخريب والتحويل العقاري.

تابعوا آخر الأخبار من أش واقع على Google News تابعوا آخر الأخبار من أش واقع على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أش واقع على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الإثنين 22 يونيو 2026 - 12:46

تزنيت : اتفاقيات شراكة لدعم مشاريع الشباب والنساء بأملن

معرض الصناعة التقليدية بالجديدة في مهب الريح.. عاصفة تعري جشع المنظمين وتدمر أرزاق الصناع
السبت 20 يونيو 2026 - 15:51

معرض الصناعة التقليدية بالجديدة في مهب الريح.. عاصفة تعري جشع المنظمين وتدمر أرزاق الصناع

السبت 20 يونيو 2026 - 15:15

الجديدة.. بين استهتار الشركة وانتفاضة الساكنة: مواطنون يمنعون شاحنات النظافة من المرور بعد تحول أحيائهم إلى مطارح عشوائية

شاطئ الجديدة.. أبطال الإنقاذ يواجهون الموت وملجأهم "كوخ بدائي" تعود للتسعينيات
السبت 20 يونيو 2026 - 14:19

شاطئ الجديدة.. أبطال الإنقاذ يواجهون الموت وملجأهم “كوخ بدائي” تعود للتسعينيات