أش واقع تيفي / أزمور
تستمر فصول المأساة البيئية بمصب نهر أم الربيع في فضح واقع مرير من الإهمال والتقاعس، حيث استفاق سكان مدينة أزمور والمناطق المجاورة يوم الإثنين 22 يونيو 2026 على وقع كارثة بيئية جديدة تجسدت في نفوق أعداد هائلة من الأسماك. هذا المشهد الصادم، الذي طفا على سطح مياه النهر الآسنة، ليس مجرد حادث عارض، بل هو صرخة احتضار لنظام بيئي يقتل بدم بارد أمام أعين الجميع، وتحصيل حاصل لسنوات من التلوث العضوي والصناعي الذي حوّل هذا الشريان المائي التاريخي من مصدر للحياة إلى مستنقع للموت ونفث الروائح الكريهة.
إن ما يحدث اليوم في أزمور يعد وصمة عار حقيقية في جبين المسؤولين المحليين والإقليميين الذين تعاقبوا على تدبير الشأن العام بالمنطقة؛ فخمسة عمال مروا على الإقليم دون أن يحرك أي منهم ساكناً، وكأن كارثة النهر تقع في كوكب آخر. هذا الصمت المطبق والتجاهل الممنهج لصرخات الساكنة يعكس بوضوح سياسة “الآذان الصماء” التي تنهجها السلطات الإقليمية، والتي فضلت على مدار سنوات الاكتفاء بدور المتفرج والهروب إلى الأمام، عوض تحمل المسؤولية الدستورية والأخلاقية في حماية البيئة وصحة المواطنين الذين يختنقون يومياً بفعل الروائح القاتلة المقذوفة في هوائهم.
ولم يكن المشهد السياسي والنيابي بأفضل حال من المجالس التنفيذية، إذ يسجل التاريخ اليوم خذلاناً إضافياً من طرف الستة برلمانين الذين يمثلون الدائرة الانتخابية للإقليم في مجلس النواب المغربي. هؤلاء النواب، الذين يتسابقون لجمع الأصوات في المواسم الانتخابية، أبانوا عن عجز فاضح وفشل ذريع في الترافع الحقيقي عن قضايا ومآسي دائرتهم؛ فلم تشفع لديهم استغاثات الساكنة ولا التقارير السوداء حول تدهور النهر لدفعهم إلى ممارسة أدوارهم الرقابية بجدية، ليظلوا مجرد أرقام في قبة البرلمان خارج سياق هموم المواطن الذي وثق فيهم يوماً ما.
لقد استنفدت الفعاليات الحقوقية والجمعوية والمدنية بالمنطقة كل وسائل الاحتجاج السلمي والحضاري، من مراسلات رسمية، وشكايات تنديدية، ووقفات احتجاجية، غير أنها جوبهت جميعاً بجدار سميك من الاستخفاف والاستهتار. واليوم، تأتي فاجعة نفوق الأسماك الأخيرة لتزيد الطين بلة ولتؤكد أن المماطلة الرسمية قد بلغت مداها، وأن استمرار هذا الصمت التواطئي لم يعد مقبولاً ولا يمكن السكوت عنه، لأنه يرقى إلى مرتبة الجريمة البيئية مكتملة الأركان ضد الطبيعة والإنسان على حد سواء.
وأمام هذا الاختناق البيئي، تتجه أصابع الاتهام والمساءلة مباشرة إلى هرم السلطة الجهوية والإقليمية؛ ونوجه هنا أسئلة حارقة وحادة إلى والي جهة الدار البيضاء – سطات، محمد مهيدية، الذي يمتلك بموجب الدستور والقانون صلاحيات تنفيذية واسعة تضعه في قلب هذا الملف: أين هو الحزم المشهود لكم به في مواجهة المشاريع المتعثرة أمام احتضار وادي أم الربيع؟ وما الذي يمنعكم من ممارسة سلطتكم التسلسلية لمساءلة عامل إقليم الجديدة عن غيابه غير المبرر في تدبير هذه الأزمة؟ وأين هي “شرطة البيئة” وأجهزة “الشرطة الإدارية” المفترض تفعيلها فوراً لضرب طوق رقابي صارم على المنشآت الصناعية وقنوات الصرف الصحي التي تقذف سمومها في النهر جهاراً نهاراً دون حسيب أو رقيب؟
إن إنقاذ نهر أم الربيع وإعادة الحياة لمصبه في أزمور يتطلب ثورة تدبيرية حقيقية تقطع مع إرث الفشل والخذلان، وتبدأ بفتح تحقيق عاجل ومحاسبة المقصرين. إن كرامة سكان أزمور وحقهم الدستوري في بيئة سليمة ليسا مجرد شعارات للتأثيث، بل هما خط أحمر، والاستمرار في العبث والتقاعس من طرف الولاية والعمالة وجهاز شرطة البيئة هو تهديد مباشر للسلم الاجتماعي، ودعوة صريحة لتأجيج الاحتقان في منطقة سئمت التهميش واكتفت من الوعود الجوفاء.






تعليقات
0