أش واقع تيفي / هشام شوراق
شهدت كواليس المهرجانات الفنية مؤخراً نقاشاً محتدماً أعاد صياغة العلاقات بين رواد الفن الشعبي والجيل الجديد من المؤدين، حيث فجرت تصريحات الفنان “أولاد البوعزاوي” جدلاً واسعاً في الأوساط الإعلامية فقد حركت الكلمات الموجهة صوب الفنان نسيم حداد مياهاً كانت راكدة، لتعكس عمق الفجوة وصراع الأجيال حول أحقية امتلاك وتطوير التراث الموسيقي المغربي، وتحديداً فن العيطة الذي يثير دائماً الكثير من الشغف والنزاع حول مرجعياته.
ولم يكن النقد الموجه عادياً، بل حمل في طياته كشفاً لكواليس البدايات التي جمعت الطرفين، حيث ركزت التصريحات على المرحلة التي سبقت شهرة نسيم حداد التلفزيونية والجماهيرية ووفقاً لما جاء على لسان رائد العيطة الغرباوية، فإن العلاقة انطلقت من منطلق علمي واستكشافي قبل أن تتحول إلى ممارسة فنية قائمة بذاتها، مما يطرح علامات استفهام مثيرة حول طبيعة الاستفادة من خبرات الشيوخ والرواد في بناء الأمجاد الشخصية.
وفي تفاصيل هذا السجال الفني، شدد المتحدث على نقطة مفصلية تلخصت في عبارة واضحة ومستفزة تؤكد أن حداد “جا عندنا بصفة باحث” هذه الإشارة المباشرة تفتح الباب أمام قراءات متعددة، إذ تشير إلى أن الفنان الشاب طرق أبواب الرواد سعياً وراء المعرفة العميقة والتدقيق التاريخي في نصوص العيطة، مستعيناً بأدوات تسجيل بسيطة لتوثيق النصوص والأنغام الأصيلة مباشرة من منابعها، قبل أن يتحول من مقعد المستمع والدارس إلى منصة الأداء.
وتتجاوز هذه المادة الصحفية مجرد نقل العتاب الفني لتصل إلى صلب الإشكالية المتعلقة بالأمانة التراثية والاعتراف بالجميل الفني فالرواد يرون في أنفسهم حراساً للهوية والذاكرة المشتركة، ويعتبرون أن تقديم الدعم للشباب واجب، لكنهم في الوقت ذاته يبدون تحفظاً شديداً عندما يتحول البحث الأكاديمي فجأة إلى ورقة رابحة للنجومية، دون منح الائتمان الكافي والتكريم المعنوي لأصحاب الفضل الأول في الحفاظ على هذا الإرث من الاندثار.
من جانب آخر، يثير هذا التلاسن المهني قضية العصرنة والتجديد في الموسيقى التقليدية، حيث عاب أولاد البوعزاوي على الفنان الشاب تصرفه في النصوص وتغييره في الآلات الموسيقية وطرق التوزيع بما يخدم أسلوبه الخاص هذا التغيير يعتبره المحافظون مساساً بأصالة العيطة وجوهرها التاريخي، بينما يراه الجيل الجديد خطوة ضرورية لإخراج التراث من قوقعته وجعله مستساغاً ومواكباً لأذواق العصر المعاصر التي تبحث عن التجديد المستمر.
تظل هذه المواجهة الفنية والإعلامية مرشحة للاستمرار وتعميق الخلاف، كونها لم تكن مجرد تصريح عابر بل محاكمة علنية لطريقة التعامل مع الموروث الشعبي المغربي إنها تضع الفنان نسيم حداد في موقف يتطلب التوفيق بين خلفيته الأكاديمية ومكانته الحالية كنجم يطمح للتطوير، في ظل رقابة صارمة ومستفزة من شيوخ الفن الذين يرفضون التنازل عن شبر واحد من أصالة تاريخهم لصالح موجات التحديث.






تعليقات
0