أش واقع تيفي / هشام شوراق
لم يعد صمت الحكومة تجاه ما يحدث في قطاع اللحوم الحمراء مقبولاً ولا مبرراً، بل أضحى تواطؤاً مكشوفاً يزكي سياسة “الريع” التي استشرت في عهد وزير الفلاحة السابق، إن خروج ملف “فراقشية الأغنام” إلى العلن، وتورط برلمانيين في المتاجرة بـ “بونات” الاستيراد، يضع المصداقية السياسية للجهاز التنفيذي على المحك، فكيف يتحول ممثلو الأمة إلى “سماسرة” يقتاتون على أزمات المواطنين وقوتهم اليومي؟
إن الرأي العام المغربي يطرح سؤالاً حارقاً وبسيطاً: أين أثر الملايير التي ضُخت من خزينة الدولة لدعم استيراد الأغنام؟ ففي الوقت الذي كان من المفروض أن تؤدي فيه منحة 500 درهم عن كل رأس، وإعفاءات الضريبة على القيمة المضافة، إلى خفض فوري وملموس في أسعار اللحوم، تفاجأ المغاربة بلهيب الأسعار الذي لم ينطفئ، مما يؤكد أن الدعم لم يذهب لقفة المواطن، بل استقر في حسابات “لوبيات” لا تشبع.
لقد تحولت عملية الاستيراد في عهد الوزير الصديقي إلى “كعكة” تقاسمتها وجوه سياسية لا علاقة لها بالكسابة ولا بالمهنة، دخلوا الحلبة بصفة “مستوردين” بفضل نفوذهم، ليعيدوا بيع الرخص لمن يدفع أكثر، هذه “المتاجرة بالبونات” هي جريمة مكتملة الأركان في حق المال العام، تستوجب تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة فوراً، لإنهاء زمن الإفلات من العقاب الذي يتغطى به هؤلاء “الفراقشية”.
تتحدث التقارير عن استيراد 300 ألف رأس غنم بغلاف مالي ضخم، ومع ذلك ظل المواطن يشتري اللحم بأثمنة خيالية، وهنا نسأل الحكومة بوضوح: أين يُباع هذا اللحم المستورد؟ ولماذا لا يجد المواطن أثراً لهذا القطيع “المدعم” في الأسواق الشعبية بالأسعار التي توازي حجم الدعم الممنوح؟ هل يُعقل أن تدعم الدولة الاستيراد من مال الشعب، ليُباع اللحم للشعب نفسه بأثمنة السوق الدولية مضافاً إليها هامش ربح “اللوبيات”؟
إن انسحاب بعض الأسماء المعروفة من “سباق الاستيراد” مؤخراً، بمجرد ما تناهى إلى علمهم تحريك ملفات المحاسبة، هو اعتراف ضمني بأن العملية لم تكن تجارة وطنية شريفة، بل كانت “همزة” سياسية انتهت صلاحيتها بمجرد اقتراب يد العدالة، هذا الهروب الجماعي لـ “فراقشية السياسة” من السوق يؤكد أنهم لم يأتوا لخدمة الأمن الغذائي للمغاربة، بل لامتصاص دماء الميزانية العامة.
الحكومة مطالبة اليوم، وليس غداً، بالكشف عن اللائحة الكاملة للمستفيدين من رخص الاستيراد ومنحة الـ 500 درهم، التكتم الذي نهجته وزارة الفلاحة سابقاً لم يعد مسموحاً به، فالشفافية تقتضي أن يعرف المغاربة من هم البرلمانيون والسياسيون الذين تحولوا إلى “كسابة” في رمشة عين، وكيف حصلوا على تلك الامتيازات في غياب تام للمراقبة القبلية والبعدية.
إن مفارقة “ارتفاع الأسعار محلياً رغم الدعم” و”تراجعها عالمياً” تفضح جشع المحتكرين الذين أصيبوا اليوم بـ “الشقيقة” ليس خوفاً على جيوب المغاربة، بل لأن هوامش ربحهم الفاحشة بدأت تتقلص، إنها وقاحة سياسية أن يشتكي المستوردون من “عدم ضمان الربح” في وقت يئن فيه المواطن البسيط تحت وطأة الغلاء، وكأن وظيفة الدولة هي ضمان ثراء “الفراقشية” لا حماية القدرة الشرائية للشعب.
ختاماً، إن ملف اللحوم الحمراء هو اختبار حقيقي لجدية شعارات “الدولة الاجتماعية”، إن استمرار التستر على “لوبيات” الاستيراد وتجاهل فضائح “البونات” هو رصاصة رحمة على ما تبقى من ثقة في المؤسسات، الرأي العام لن يقبل بأقل من محاسبة شاملة، واسترداد الأموال المنهوبة تحت مسمى “الدعم”، وإنزال أقصى العقوبات على كل من تجرأ على تحويل “أزمة لحوم” إلى “فرصة تراكم ثروات”.






تعليقات
0