فخ ألابوغا: كيف نجت امرأة شمال إفريقية من الأسر في مصنع دفاعي روسي؟

غزلان أزار الثلاثاء 21 أبريل 2026 - 20:29
لم تكن هي من تبحث عن هذا البرنامج، بل هو من عثر عليها. وصلت الرسالة الأولى إلى هاتفها من رقم روسي مجهول، تدعوها للمشاركة في “مشروع تعليمي” ما. لم ترد “نيا” (اسم مستعار) في البداية، لكنهم عاودوا مراسلتها بعد بضعة أشهر. هذه المرة استجابت، وكان ذلك القرار كفيلاً بسلب أكثر من عام من عمرها. اليوم، عادت إلى وطنها المغرب، تعاني من نوبات هلع تباغتها في وضح النهار.
فريق “تليفزيون 24” تحدث مع مشاركة سابقة في برنامج “Alabuga Start” (انطلاقة ألابوغا). وفي هذا التقرير، نكشف عما يحدث حقاً خلف كواليس البرنامج وكيف يُعامل المشاركون هناك: “ظننت أنني ذاهبة للدراسة، لكنني حين وصلت، وجدت كل شيء مختلفاً تماماً.”
ما هو برنامج “Alabuga Start”؟
هو برنامج روسي مخصص لنقل الشابات (تتراوح أعارهن بين 18 و22 عاماً) من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. تحت غطاء “التعليم الدولي والتوظيف المربح”، يتم تجنيدهن لتجميع مسيرات “شاهد” الانتحارية (Shahed) إيرانية التصميم في منطقة اقتصادية خاصة في “تاتارستان”. وبدلاً من التعليم الموعود، يتحولن إلى عمالة رخيصة للمجمع الصناعي العسكري الروسي، حيث يعملن في ظروف خطرة لإنتاج أسلحة تُستخدم في الحرب ضد أوكرانيا. تستخدم موسكو هذا المشروع ليس فقط لسد العجز في العمالة الناتج عن العقوبات، بل وأيضاً لاستخدام المواطنين الأجانب كـ “دروع بشرية” في منشآتها الاستراتيجية.
وعود المسار المهني تتحطم على صخرة الواقع
تواصلت مع نيا “مسؤولة توظيف” تُدعى رازليا شرافوتدينوفا عبر واتساب، بنبرة ودودة بعيدة عن الجمود المؤسسي. سألتها عن اهتماماتها وخططها، وصورت لها البرنامج كفرصة ذهبية تشمل تدريباً تخصصياً، وشهادات دولية، ومساراً مهنياً واعداً. عُرضت على نيا صور لفتيات مبتسمات وغرف مرتبة، وقيل لها: “أحضري معك القليل من المال للأسابيع الأولى فقط، فكل شيء آخر سيتم توفيره”. وقبل مغادرتها، طُلب منها تسجيل فيديو تؤكد فيه اطلاعها على الشروط، رغم أن أحداً لم يشرح لها تلك الشروط بالتفصيل.
خلف الأبواب المغلقة.. حجر صحي أم احتجاز؟
عند وصولها، صودر جواز سفر نيا فوراً بحجة استخراج تصريح العمل. أمضت والمشاركات الأخريات الشهر الأول محبوسات في غرفة ضيقة بذريعة “الحجر الصحي”، رغم تقديمهن لشهادات طبية سليمة من بلادهن. كن يُطعمن مرة واحدة في اليوم، وأحياناً لا يُطعمن أبداً.
تصف ذلك قائلة: “كنا نأكل ما يكفي للبقاء على قيد الحياة فقط”. منعت الفتيات من شراء الطعام بمالهن الخاص، ووصل الأمر ببعضهن إلى التوسل للحراس للسماح لهن بإخراج القمامة فقط للبحث عن فضلات طعام في الحاويات.
دروع بشرية في “مصنع الموت”
بما أن منطقة “ألابوغا” هي مركز تصنيع مسيرات “شاهد”، فإنها هدف دائم للقوات الأوكرانية. كل امرأة أجنبية تُستدرج إلى هناك تصبح ضحية محتملة في هدف عسكري مشروع. في 15 يونيو 2025، قُتل عامل وأصيب آخرون في هجوم للمسيرات. وضعت الإدارة الروسية صروحاً تذكارية تتهم “الناتو” بالقيام بـ “أعمال إرهابية” تستهدف “الطلاب النائمين”، لكن الحقيقة المرة هي أن الإدارة تعمدت وضع سكن الطالبات بجوار ورش تصنيع المسيرات مباشرة لاستخدامهن كدروع بشرية.
حلم “الضيافة” الذي تحول لكابوس
عند وصولها، قيل لها إن وظائف “الضيافة” التي تعاقدت عليها لم تعد متاحة، وأُجبرت على القيام بمهام أخرى تشمل التنظيف والعمل في خط إنتاج المسيرات. كان يوم العمل يبدأ من السادسة صباحاً حتى التاسعة مساءً، وأحياناً حتى منتصف الليل. من شدة الإرهاق، فقدت عدة فتيات وعيهن أثناء العمل.
تؤكد نيا أنه بعد مغادرتها، توفيت فتاتان من إفريقيا على الأقل، وقيل للمشاركات إن الوفاة كانت بسبب “المرض” مع منعهن من الحديث عن الأمر.
تجنيد مقابل فك “العزل الرقمي”
صودرت هواتف الفتيات بحجة تسليمهن شرائح اتصال جديدة، ومُنع استخدام شرائحهن الخاصة. كانت نيا تشعر بأن جهازها مراقب. ترافق هذا العزل الرقمي مع مراقبة جسدية صارمة واستجوابات بعد أي خروج لشراء الطعام. كما كشفت نيا عن حالات تحرش جنسي من قبل موظفي الموارد البشرية والمسؤولين ورجال الأمن، قائلة: “كأن أصواتنا لم تكن موجودة هناك”.
عندما بدأت نيا بالشكوى، عُرض عليها “مخرج”: أن تقوم بتجنيد فتيات جديدات للبرنامج ونشر فيديوهات رقص وصور على وسائل التواصل الاجتماعي بهاشتاج Alabuga_Start لتحسين وضعها، لكنها رفضت.
فدية الطريق إلى الحرية
عندما طالبت نيا بجواز سفرها للعودة لخرقهم العقد، هُددت بإبلاغ الشرطة وأن خروجها غير قانوني. لجأت نيا إلى التظاهر بالمرض الشديد وعدم القدرة على العمل. توقفت الإدارة عن دفع راتبها واعتبرتها “بلا فائدة”، وأخبروها أنها يمكنها المغادرة ولكن على نفقتها الخاصة.
اضطرت عائلة نيا لإرسال مبلغ 2500 دولار عبر وسيط في تركيا لأن التحويل المباشر من بلدها إلى روسيا كان شبه مستحيل. وبعد دفع المبلغ لموظفة في الموارد البشرية، تمكنت أخيراً من استعادة جواز سفرها والعودة إلى وطنها بعد ثمانية أشهر من العذاب.

تابعوا آخر الأخبار من أش واقع على Google News تابعوا آخر الأخبار من أش واقع على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أش واقع على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأربعاء 18 مارس 2026 - 13:32

سفارة المغرب بالدكار تدعو الجالية لضبط النفس: “الرياضة جسر للمودة لا وقود للتوتر”

السبت 7 فبراير 2026 - 13:40

وكيل الملك بالرباط يفند مزاعم “إضراب السنغاليين” ويوضح ملابسات تأجيل محاكمتهم

الإثنين 2 فبراير 2026 - 16:44

الأمن الوطني المغربي يفند مزاعم “لوفيغارو” ويستعرض مسارات البحث في اختفاء مواطن فرنسي بالرباط

كان 2025: عندما تتحول الرياضة إلى "عقدة" والضيافة إلى "نكران".. الإعلام الجزائري يغرد خارج السرب
الأربعاء 24 ديسمبر 2025 - 13:32

كان 2025: عندما تتحول الرياضة إلى “عقدة” والضيافة إلى “نكران”.. الإعلام الجزائري يغرد خارج السرب