أش واقع تيفي
تجاوزت الفوضى في أحيائنا السكنية كل الحدود المنطقية، لتتحول من مجرد “شغب شباب” إلى إرهاب حقيقي يهدد السكينة العامة وسلامة المواطنين، إن ما نشهده اليوم من تحول خلافات بسيطة حول لعب الكرة في الأزقة إلى معارك دامية، يعكس حالة من التسيب غير المسبوق التي تغذيها ثقافة “السيبة” وغياب الرادع الحقيقي، لم يعد الساكن آمناً في بيته ولا على ممتلكاته، حيث أصبحت النوافذ والسيارات أهدافاً مستباحة لمراهقين لا يجدون من يوقفهم عند حدهم، مما يجعل الشارع غابة يحكمها منطق القوة لا منطق القانون.
إن الصادم في الأمر ليس مجرد ضجيج الكرة أو تضرر الممتلكات، بل هو التطور الخطير والدموي لهذه النزاعات التي تبدأ بملاسنة كلامية وتنتهي بهجمات وحشية تقودها “عصابات” منظمة. إن تعرض مواطن لاعتداء عنيف من طرف مجموعة من الأشخاص لمجرد اعتراضه على إزعاجهم، هو مؤشر صريح على أن الجريمة باتت تتخذ من الأحياء السكنية مسرحاً لها تحت غطاء “اللعب” و”الرياضة”، هذا التحول من الشغب إلى الاعتداء الجسدي العمد يضعنا أمام واقع مرير، حيث يتم استبدال لغة الحوار بالسيوف والآلات الحادة في وضح النهار.
يتحمل “التساهل” في تطبيق القانون المسؤولية المباشرة عن هذا الانفلات الأمني والاجتماعي الذي نعيشه، فلو وجد هؤلاء المشرطون والمخربون صرامة قانونية منذ المخالفة الأولى، لما تجرؤوا على تشكيل عصابات تهاجم المواطنين العزل، إن سياسة “غض الطرف” عن التصرفات الصبيانية التي تزعج الساكنة قد أعطت الضوء الأخضر لهؤلاء للتمادي، حتى اعتقدوا أن الزقاق ملكية خاصة لهم وأن حياة الجيران وممتلكاتهم مجرد تفاصيل ثانوية لا تستحق الاحترام، إن القانون الذي لا يحمي المواطن في عقر داره هو قانون يحتاج إلى تفعيل فوري وحازم لاسترجاع هيبة الدولة.
لقد ضاق المواطنون ذرعاً بوعود الهدوء التي لا تتحقق، وارتفعت الأصوات المطالبة بتدخل عاجل وحازم من المديرية العامة للأمن الوطني لضرب يد من حديد على كل من تسول له نفسه العبث بأمن الأحياء، إن المطالب اليوم ليست ترفاً، بل هي ضرورة ملحة لاستئصال مظاهر الإجرام التي تتخفى وراء “شغب الملاعب” الذي انتقل لغزو الأزقة السكنية، إن بقاء الوضع على ما هو عليه يعني ببساطة الاستسلام للفوضى وترك المواطنين يواجهون مصيرهم أمام عصابات إجرامية لا ترحم، وهو أمر مرفوض جملة وتفصيلاً في دولة المؤسسات.
إن تنامي ظاهرة الاعتداءات الجسدية في الأحياء السكنية هو جرس إنذار للسلطات الأمنية بأن المقاربة الحالية لم تعد تجدي نفعاً مع فئة استمرأت العنف واعتبرت التساهل ضعفاً، لا يمكن أن نسمح بتحويل أحيائنا إلى ساحات حرب يسقط فيها الضحايا لمجرد دفاعهم عن حقهم في الهدوء وسلامة ممتلكاتهم، إن المحاسبة يجب أن تطال ليس فقط المعتدين، بل كل من ساهم بتراخيه في وصول الأمور إلى هذا المستوى من التردي الأمني والاجتماعي الذي يندى له الجبين.
إن استرجاع السكينة للأحياء المغربية يمر حتماً عبر تطبيق صارم للقانون دون محاباة أو تساهل، لأن الأمن القومي يبدأ من أمن الزقاق والبيت، إن الرسالة الموجهة اليوم للمسؤولين واضحة: المواطن يريد أن يشعر بالأمان، ويريد أن يرى المعتدين خلف القضبان، ويريد أن تنتهي أسطورة “عصابات الكرة” التي عاثت في الأرض فساداً، إن أي تأخير في التدخل الحازم هو تزكية لمزيد من العنف، فهل ننتظر وقوع ضحايا جدد لنحرك مساطر القانون المعطلة؟
تفاعلت منصات التواصل الاجتماعي مع هذه الواقعة بموجة من التعليقات الغاضبة التي ربطت بين تنامي الإجرام وطبيعة العقوبات الحالية، حيث اعتبر الناشط “أمين. ح” أن السجن فقد هيبته الردعية منذ أن توفرت للسجناء قاعات للرياضة وصالونات للحلاقة وزيارات للنجوم، مؤكداً أن السجن لم يعد يخيف المجرمين، ومن جانبه، اقترح “عمر. ف” حلاً جذرياً يتمثل في فرض الأشغال الشاقة كحفر الأنفاق وبناء الطرقات في المناطق الصحراوية وتنظيف الشوارع، معتبراً أن استغلال هذه “الأيادي” في مشاريع وطنية هو السبيل الوحيد لتربيتهم وضمان عدم عودتهم للإجرام، وفي سياق متصل، شدد “ياسين. م” على ضرورة تغيير النظرة للسجن ليعود مؤسسة للحرمان والمعاناة حتى يفكر المجرم ألف مرة قبل ارتكاب فعلته، أما “عبد الله. ر”، فقد غاص في جذور المشكلة مرجعاً إياها إلى تفشي البطالة والأمية والبعد عن الوازع الديني، معتبراً أن التغيير يبدأ من إصلاح النفس والمجتمع ومحاربة الجشع، مختتماً قوله بالدعاء باللطف والرحمة للأمة.






تعليقات
0