الدرك الملكي بالجديدة بين مطرقة “الاستعراض” وسندان “الاختراق”: من يحمي ثغور بالإقليم؟

خلية التحرير الأحد 17 مايو 2026 - 15:35

أش واقع تيفي / الجديدة

تتوالى البلاغات الصادرة عن القيادة الجهوية للدرك الملكي بالجديدة، مرسومةً بنبرة “الانتصار” على الجريمة المنظمة وشبكات التهريب الدولي للمخدرات، كان آخرها إحباط محاولات بشاطئ “دوار شتوكة” وتوقيف “مشرمل” حافلة الركاب بأولاد حسين، ورغم أن لغة الأرقام والمحجوزات التي تقدر بالأطنان من مخدر “الشيرا” قد تبدو للوهلة الأولى إنجازاً أمنياً يحسب للمصالح المعنية، إلا أن تدقيق النظر في “مسار الرحلة” لهذه السموم يضعنا أمام مفارقات صادمة تثير الكثير من علامات الاستشهاد وعلامات الاستفهام حول نجاعة المنظومة الرقابية قبل وصول الشحنات إلى “خط الصفر”.

إن التباهي بحجز أطنان من المخدرات وهي تهمُّ بمغادرة الساحل، يطرح سؤالاً بديهياً يؤرق الرأي العام: كيف قطعت هذه القوافل من “الشيرا” مئات الكيلومترات عبر الطرق الوطنية والجهوية قبل أن تحط الرحال فوق رمال الجديدة؟ أين كانت السدود القضائية و”براجات” الدرك الملكي المنتشرة على طول المحاور الطرقية؟ وهل يعقل أن تمر “أطنان” من الممنوعات، التي لا يمكن إخفاؤها في علب كبريت، أمام أعين الرقابة الطرقية لتصل بكل أمان إلى الشريط الساحلي؟

إن منطق “الإحباط عند خط النهاية” يكرس تساؤلات حادة حول الفجوات الأمنية التي تسبق لحظة المداهمة، فالمواطن لا يكتفي بمشاهدة صور “الزودياك” والرزم المحجوزة، بل يتساءل عن “الاختراقات” التي تسمح لهذه الشبكات بالتحرك بكل هذه الجرأة واللوجستيك الثقيل داخل نفوذ ترابي يفترض أنه تحت المراقبة اللصيقة، هل نحن أمام “يقظة متأخرة” أم أن استراتيجية المكافحة تحتاج إلى إعادة نظر شاملة تتجاوز منطق “رد الفعل” إلى منطق “الاستباق الميداني” في العمق وليس فقط على الشواطئ؟

تضع هذه الضربات المتتالية التي تباشرها عناصر القيادة الجهوية للدرك الملكي بالجديدة، اليد على جرح غائر يسائل الاستراتيجية الأمنية المعتمدة في تتبع ومحاصرة شبكات التهريب الدولي للمخدرات، وإحباط محاولات تهريب رزم “الشيرا” عبر شاطئ دوار شتوكة بجماعة أولاد عيسى، يعكس يقظة ميدانية لا يمكن إنكارها، لكنه يفتح في الوقت ذاته باباً واسعاً لأسئلة حارقة تقض مضجع الرأي العام المحلي والوطني حول الثغرات التي تتسلل منها هذه السموم قبل وصولها إلى نقاط الصفر على الشواطئ المغربية.

ويجد المواطن الإقليمي نفسه اليوم أمام مفارقة مقلقة تتطلب مكاشفة صريحة، إذ كيف يعقل أن تقطع أطنان المخدرات مئات الكيلومترات عبر المسالك الطرقية والمنعطفات جهاراً نهاراً دون أن تثير الشبهات؟ أين هي السدود القضائية ومحاور المراقبة الثابتة والمتحركة التي من المفترض أن تشكل خطوط الدفاع الأولى والدرع الواقي للمدن والقرى؟ إن عبور هذه الشحنات الضخمة من مناطق الإنتاج أو التخزين، مرورا بالبراج الأول والثاني والثالث، وصولاً إلى أقصى الشريط الساحلي لإقليم الجديدة، يطرح علامات استفهام كبرى حول نجاعة قنوات التفتيش والآليات المعتمدة في رصد الشاحنات والمركبات المشبوهة عبر الطرق الوطنية والجهوية.

وتتضاعف هذه التساؤلات عندما يتحول الساحل إلى مصيدة أخيرة للمخدرات بدل أن تكون الحواجز البرية هي المقبرة الأولى لها، مما يدفع بالمتتبع للشأن الأمني إلى التساؤل عن مدى اختراق هذه الشبكات الإجرامية للمسالك الحيوية، هل تعتمد هذه العصابات المنظمة على خطط تمويهية بالغة التعقيد تتجاوز القدرات الاستباقية للأجهزة الأمنية في الطرقات؟ أم أن هناك خللاً في منظومة التنسيق والاستخبار الجنائي يسمح لبارونات التهريب باستغلال هفوات معينة للعبور بسلام؟ ولماذا تنتظر الأجهزة المختصة وصول الزوارق المطاطية من نوع “زودياك” إلى حافة الموج لتعلن عن إحباط العمليات، بدل شل حركة الشبكة وهي في مهدها داخل مستودعات الشحن والتوزيع؟

وفي سياق متصل، لم يعد الاكتفاء بنشر بلاغات الحجز وصور الرزم المصفوفة على الرمال كافياً لتبديد مخاوف الشارع الذي بات يعيش حالة من الصدمة والارتياب جراء توالي هذه العمليات الضخمة في ظرف وجيز، ويتساءل المواطن البسيط بنبرة ملؤها التوجس عن المصير الحقيقي لهذه الأطنان المحجوزة من مخدر الشيرا بعد أن تغادر مسرح الجريمة وتوضع تحت تصرف العدالة، أين تختفي هذه الكميات الهائلة التي تقدر بالمليارات، وما هي الوجهة الرسمية والآمنة التي تستقر فيها هذه الصناديق والرزم بعد انتهاء المعاينات القضائية وتحرير محاضر الضبط؟

إن غياب التوثيق الإعلامي الشفاف لعمليات الإتلاف الفعلي يغذي بانتظام الشائعات ويفتح المجال لسيناريوهات وتأويلات متعددة تمس بمصداقية المجهودات المبذولة، فلماذا تحرص الجهات المختصة على تصدير صور الحجوزات وإبرازها للعلن، بينما تحجب تفاصيل الإتلاف والحرق خلف جدران الصمت والسرية؟ هل تخضع هذه المخدرات لعمليات حرق علنية وقانونية بحضور لجان مختلطة تحترم المعايير البيئية والقانونية، أم أن هناك طرقاً أخرى ومساطر بروتوكولية معقدة تتم بعيداً عن أعين الصحافة والمجتمع المدني؟

إن الشفافية تقتضي إشراك المواطن في المرحلة الختامية لهذه العمليات لإغلاق باب التشكيك وقطع الطريق أمام أي تساؤل يبحث عن مصير تلك السموم، هل يتم فعلياً إبادة هذه المحجوزات بشكل كلي يضمن عدم تسربها مجدداً إلى الأسواق، أم أن مسار الاحتفاظ بها في المخازن يمتد لفترات طويلة قد تفتح المجال لفرضيات إعادة الترميم أو التلاعب؟ ولماذا لا تنظم مندوبيات إدارة الجمارك وبتنسيق مع النيابة العامة حملات إعلامية دورية ومصورة توثق لحظة التخلص من هذه الأطنان لتعزيز الثقة في المؤسسات وتأكيد حزم الدولة في محاربة هذه الآفة؟

ويظل السؤال الجوهري الذي يبحث عن إجابة شافية يتعلق بالامتدادات العميقة لهذه الشبكات وتغلغلها في النسيج الاقتصادي والاجتماعي للمنطقة، إذ لا يمكن فصل التهريب عن منظومة فساد محتملة تسهل التحرك، ما هي الهوية الحقيقية للعقول المدبرة التي تقف وراء تمويل هذه الرحلات البحرية المكلفة، وهل تقتصر التوقيفات على “الحمالة” والمنفذين الصغار في الشواطئ؟ إلى متى سيبقى إقليم الجديدة يصدّر عناوين الأخبار كمنصة انطلاق للمخدرات نحو الخارج، دون الكشف عن الرؤوس الكبيرة التي تدير هذه التجارة الدولية من وراء الستار؟

إن الإجابة عن هذه الاستفسارات المشروعة لا تقل أهمية عن تفعيل التدخلات الميدانية الصارمة، بل تشكل حجر الزاوية في بناء استراتيجية أمنية متكاملة تقوم على الحق في المعلومة والوضوح التام مع الرأي العام، إن حماية سواحل إقليم الجديدة من شبكات التهريب الدولي تتطلب أبعد من مجرد مطاردات على الشواطئ وحجز للقوارب، إنها تستدعي ثورة في آليات المراقبة الطرقية الاستباقية، وإجراءات توثيقية صارمة ومعلنة لعمليات الإتلاف، لضمان قطع دابر الجريمة وتأمين سلامة الوطن والمواطن بشكل لا يدع مجالاً للشك أو التردد.

تابعوا آخر الأخبار من أش واقع على Google News تابعوا آخر الأخبار من أش واقع على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أش واقع على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

أجور الصحافيين بالمغرب.. استهتار حكومي بكرامة “صوت الشعب” وتواطؤ مريب يكرس الهشاشة المهنية
الثلاثاء 12 مايو 2026 - 15:24

أجور الصحافيين بالمغرب.. استهتار حكومي بكرامة “صوت الشعب” وتواطؤ مريب يكرس الهشاشة المهنية

الأحد 10 مايو 2026 - 13:04

آسا زاك : انفجار لغم أرضي ينهي حياة شقيقين

السبت 9 مايو 2026 - 22:21

بعد 20 سنة من الانتظار.. القضاء يحاصر منتخبين بتهم تبديد المال العام وتزوير الصفقات

السبت 9 مايو 2026 - 14:15

الدار البيضاء تحتضن انطلاق الدورة السابعة للمعرض الدولي لطب الأسنان “Morocco Dental Expo 2026”