اش واقع تيفي / الجديدة
تحول سوق القرب بحي السلام بمدينة الجديدة من رهان تنموي يُفترض أنه يعيد الاعتبار للتجارة المهيكلة ويوفر مكاناً لائقاً للساكنة وللتجار، إلى مركز يؤرق راحة السكان ويكتم أنفاسهم، الوضعية الحالية لم تعد تقبل التأويل أو التشخيص؛ فالأمر تجاوز حدود الانزعاج العابر ليصل إلى مستوى الفوضى البيئية والصحية الصارخة، وسط تساؤلات ملحة حول مصير استثمارات مالية ضخمة رُصدت لهذه الأسواق النموذجية الممولة في إطار المشاريع الملكية والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والتي كانت تهدف أساساً إلى القضاء على الهشاشة واحتلال الملك العمومي لا إعادتها بصيغ أشد تفاقماً.
إن المشهد السريالي الذي يشهده الحي يُلخص في مفارقة عجيبة: تجار استنفعوا من محلات داخل السوق بعقود ورخص رسمية، لكنهم يفضلون إغلاقها واستعمالها كمستودعات أو تركها مهجورة ليعودوا بالكامل إلى ممارسة نشاطهم عبر العربات المجرورة في الشارع العام هذا السلوك لا يُشكل فقط اعتداءً صارخاً على الملك العمومي وعرقلة للسير بل يطرح علامة استفهام كبرى حول الجدوى التنموية من توزيع هذه المحلات فمن يسهر على متابعة دفاتر التحملات ومن يحاسب المستفيدين الذين يحولون المشاريع الملكية إلى مجرد أصل تجاري غير مستغل داخل الأبواب المغلقة؟
ولم تقف الفوضى عند حدود الشارع، بل امتدت لتطال حرمة البيئة والنظافة العامة داخل هذا المرفق التنموي ففي الوقت الذي يتوفر فيه السوق على مرافق صحية تحولت المحلات المغلقة والفارغة إلى مكان لقضاء الحاجة في مشاهد تقزز الأبدان، ما أدى إلى انتشار الروائح الكريهة وتكاثر القوارض والفئران بشكل هدد الصحة العامة لساكنة حي السلام إن وجود بؤرة للقوارض في فضاء لبيع المواد الغذائية يعد خطراً صحياً مسكوت عنه، يستدعي المساءلة الفورية للقطاعات الموكول إليها التطهير والمراقبة الطبية والمحاربة الدورية لآفات البيئة.
الجانب الأشد خطورة في هذه المأساة اليومية يتعلق بالسلامة الصحية للمستهلك وقوانين الذبح، فالساكنة تستيقظ يومياً على ضجيج شاحنات نقل الدجاج وعلى عمليات تفريغ وشحن تجري في أوقات غير مناسبة للمحيط السكني، يرافقها ممارسات ذبح وترييش داخل بعض المحلات وهنا يبرز السؤال المباشر والملح موجهاً للجهات المختصة: هل تُجرى عمليات ذبح الدجاج داخل سوق القرب بحي السلام وفق تراخيص صحية وقانونية صادرة عن المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (ONSSA)؟ وأين هي لجان المراقبة المختلطة للوقوف على مدى استيفاء هذه المحلات للشروط البيئية والصحية المعمول بها قانوناً؟
إن الساكنة اليوم لا تطالب بإيقاف عجلة الاقتصاد المحلي ولا بقطع أرزاق تجار البؤس، بل تطالب بأبسط حقوق المواطنة: تطبيق القانون وحماية النظام العام، إن غياب السلطات المحلية والمجالس المنتخبة ولجان المراقبة الميدانية يعطي الانطباع وجود منطقة فراغ رقابي يتنصل فيها الجميع من المسؤولية، كيف يمكن لحي سكني بكامله أن يظل رهينة للضجيج والتلوث واحتلال الشوارع، في وقت توجد فيه مؤسسات وميزانيات وأجهزة رقابية يُفترض أنها سُخرت لحماية المواطن وتنظيم الفضاء العام؟
توجه الساكنة أسئلتها المباشرة والحادة إلى عامل إقليم الجديدة وإلى القائمين على تدبير المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والمجلس الجماعي ولجان الصحة والمراقبة: من يحمي المشاريع الملكية والأسواق النموذجية من الاندحار نحو الفوضى والتسيب؟ من يراقب طريقة استغلال المحلات التجارية ويحاسب الذين يغلقونها للبيع في الشارع؟ وإلى متى تظل صحة المواطنين وراحتهم ضحية للإهمال والحلول الترقيعية؟ إن الوضع لم يعد يحتمل البلاغات أو وعود الطاولات المغلقة بل يتطلب تحركاً ميدانياً عاجلاً يعيد للمرفق هيبته وللمواطن كرامته.






تعليقات
0