أش واقع تيفي / برشيد
هل هذه هي الانتخابات التي علق عليها المواطنون آمالهم لفرز نخب مسؤولة، أم أنها مجرد مسرحية بئيسة أعادت المشهد الحزبي بمدينة برشيد إلى الحضيض؟ فمع أولى ساعات انطلاق الحملة الرسمية، عاشت عاصمة أولاد حريز ليلة مرعبة بكل المقاييس، وثقتها عدسات الهواتف وشهد عليها الشارع العام، بعدما تحول محيط مقر حزب الحركة الشعبية—ذلك المقر الموسمي الذي لا تفتح أبوابه إلا كل خمس سنوات كدكان انتخابي عابر—إلى ساحة حرب حقيقية ومواجهة مسلحة استُبيحت فيها حرمة الشارع العام بالسيوف والهراوات أمام ذهول ورعب الساكنة.
وتعود فصول هذه المهزلة المدوية إلى جولة دعائية قادها أنصار الحزب انطلاقاً من محيط مقر العمالة، وهي الجولة التي جرى فيها كالعادة حشد العشرات في الشارع ليتفاجأ الجميع بمجرد عودة المسيرة ودخول مسؤولي الحزب إلى مقرهم، بظهور أشخاص شاركوا في الموكب الدعائي وهم يطالبون بنصيبهم المالي و”التعويضات” مقابل الهتاف وتأثيث الحملة هذا المشهد الفاضح الذي يعري بالملموس كواليس التجييش العشوائي واستقطاب “كومبارس الانتخابات”، تحول فور رفض المسؤولين الدفع إلى مشادات كلامية عنيفة ما لبثت أن تفجرت إلى اشتباك دموي بالأسلحة البيضاء، استدعى تدخلاً أمنياً عاجلاً لتطويق المكان وفض النزاع الذي كاد يودي بأرواح بشرية.
والأدهى من ذلك والأكثر مدعاة للصدمة والاشمئزاز أن الحزب، وفي محاولة مفضوحة للتنصل من المسؤولية ولعب دور “الضحية”، حاول تسويق رواية ساذجة تتحدث عن “مؤامرة واستهداف من عناصر مجهولة تخدم جهات منافسة” بينما الحقيقة المرة التي عاينها الجميع هي صراع داخلي وتطاحن حول “أموال الحملة” بين من جرى استقطابهم وعناصر حراسة يُفترض أنها مكلفة بتأمين المقر، والذين بدا عدد منهم في حالة غير طبيعية وتحت وطأة التخدير، ليتواجه الطرفان بالسلاح الأبيض وترويع المواطنين، إن هذا العبث التنظيمي والفوضى المسلحة يعريان حقيقة إطار يعجز حتى عن ضبط بوابته ومن يشتغلون لحسابه، فبأي وجه يتقدم من يعتمد على البلطجة ويحول مقراته إلى حلبة تصفية حسابات للمطالبة بتسيير شأن عام محلي أو تدبير مستقبل مدينة بأكملها؟
واكتملت فصول الفضيحة في صبيحة اليوم الموالي، حين خرج ما سُمي بالمكتب الإقليمي لحزب الحركة الشعبية ببرشيد بـ”بلاغ استنكاري” هزيل لا علاقة له بما جرى على أرض الواقع، بل إن الطامة الكبرى في هذا البلاغ تكمن في كونه وثيقة “شبح” مجهولة الهوية والمسؤولية، صُدرت عارية تماماً من أي خاتم رسمي للحزب وبدون أي توقيع يُلزم كاتبه، إنها خطوة تعكس قمة الجبن السياسي والاستخفاف بالقانون، حيث يختبئ محررو البلاغ خلف أوراق عشوائية للهروب من التبعات القانونية لتضليل الرأي العام، متجاهلين أن مقاطع الفيديو الحية وتحريات المصالح الأمنية أقوى من أي محاولة بائسة لتزييف الحقائق والهروب إلى الأمام.
إن ما شهدته برشيد ليس مجرد شجار عابر، بل هو ناقوس خطر يدق في وجه تمييع العملية الديمقراطية وتحويل الاستحقاقات الانتخابية إلى سوق للابتزاز وشراء الذمم والمواجهات الدامية، وهو ما يفرض على النيابة العامة والسلطات الأمنية والمختصة التدخل بحزم لمساءلة كل من تورط في تجييش الشارع بالسلاح الأبيض، ومحاسبة الواقفين وراء استغلال الشباب في الحملات بطرق مشبوهة، مع ترتيب الآثار القانونية في حق مروجي البلاغات الفاقدة للصفة الرسمية، لأن أمن الوطن والمواطنين أسمى بكثير من أن يُداس تحت أقدام من يراهنون على الفوضى للظفر بمقاعد انتخابية.






تعليقات
0