أش واقع تيفي / الجديدة
وجّهت فعاليات مدنية وحقوقية أصابع الاتهام مباشرة إلى السيد وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، بصفته المسؤول الأول عن مراقبة تدبير الشأن الترابي وحماية المال العام، إثر “المشهد الصادم” الذي شهده محيط مركز المعارض بالجديدة خلال المؤتمر الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار، ففي الوقت الذي تتبجح فيه الحكومة بشعارات “ترشيد النفقات”، اصطفت مئات السيارات التابعة للجماعات الترابية والمؤسسات العمومية (ج) في استغلال فج لآليات الدولة لأغراض حزبية ضيقة، وتحت أعين الرأي العام.
إن ما حدث يوم السبت، وهو يوم عطلة رسمية تتوقف فيه مصالح المواطنين، يُعد طعنة في عمق التوجيهات الرسمية الداعية إلى الحكامة، فبأي صفة قانونية تُسخّر سيارات “الجماعة” لنقل المؤتمرين والمنتخبين لحضور نشاط حزبي لا علاقة له بالخدمة العمومية؟ هذا التسيب يضع وزير الداخلية أمام تساؤلات حارقة حول مآل دورياته الصارمة التي منعت سابقاً استعمال سيارات الدولة خارج أوقات العمل ولأغراض شخصية، أم أن “الغطاء الحزبي” يمنح حصانة ضد هذه القوانين؟
والفضيحة لا تتوقف عند استعراض “الأسطول العمومي” في محفل حزبي، بل تمتد إلى استنزاف ميزانيات المحروقات (المازوط) التي تُدفع من جيوب دافعي الضرائب، فكيف يستسيغ رئيس الحكومة والأمين العام السابق للحزب، عزيز أخنوش، أن يرى “أموال الشعب” تحترق في محركات سيارات تخدم طموحاته السياسية؟ إن هذا المشهد يكرس صورة ذهنية مفادها أن المال العام أصبح “غنيمة باردة” في يد المنتخبين، يُصرف دون حسيب أو رقيب بعيداً عن قضايا التنمية الحقيقية.
لقد تحول مركز المعارض بالجديدة إلى “معرض مفتوح” لخرق القانون واستعراض “الريع السياسي”، حيث غصت جنباته بسيارات تحمل لوحات معدنية “ممنوعة” أخلاقياً وقانونياً من التواجد في هكذا تجمعات. هذا الوضع يفرغ مفهوم “ربط المسؤولية بالمحاسبة” من محتواه، ويؤكد أن هناك فئة من المنتخبين تعتبر ممتلكات الدولة ملكية خاصة، تتصرف فيها خارج إطار الضوابط الإدارية والقانونية، مما يستوجب فتح تحقيق عاجل من طرف المفتشية العامة للإدارة الترابية.
إلى السيد لفتيت: “فلوس الشعب فين كتمشي؟” هو السؤال الذي يتردد اليوم بقوة في الشارع المغربي وعبر مواقع التواصل الإجتماعي، إن الصمت عن هذا التجاوز هو تزكية صريحة لتبديد المال العام، فالمواطن الذي يئن تحت وطأة الغلاء، لا يمكنه أن يتقبل رؤية “سيارة المصلحة” وهي تتحول إلى وسيلة نقل “للمؤتمرين”، مشحونة بمحروقات من ميزانيات الجماعات التي تعاني أصلاً من العجز المالي والهشاشة في الخدمات الأساسية.
ختاماً، إن الكرة الآن في ملعب وزارة الداخلية لإثبات استقلاليتها وحزمها في مواجهة “تغول” المنتخبين على المال العام، إن إرسال لجان تفتيش والضرب بيد من حديد على المتورطين في تحويل سيارات الدولة إلى “أدوات تعبئة حزبية” هو السبيل الوحيد لإعادة الثقة في المؤسسات، وإلا فإن الشعارات الحكومية حول “النزاهة والشفافية” ستبقى مجرد حبر على ورق أمام فداحة “ريغ” الجديدة.
ضجّت منصات التواصل الاجتماعي بموجة من الغضب العارم، حيث انبرى “نشطاء الفضاء الأزرق” لجلد هذا الاستغلال المفضوح للمال العام بتعليقات لا تخلو من مرارة؛ فكتب “أبو آدم المغربي” بحسرة: “أصبحت الأمور عادية، لا رقيب ولا حسيب والله المستعان، والمواطن الضعيف هو وحده من يدفع الفاتورة”، بينما اعتبر “كمال المتفائل” أن هذه الحكومة تجر معها خيبات متتالية بقوله: “هذه حكومة فاشلة، هلكتنا في بدايتها بكورونا وفي نهايتها بالفيضانات.. حكومة منحوسة”. ولم يسلم وزير الداخلية من سهام النقد، إذ علّق “صوت الحق” بحدة: “وزارة الداخلية فاشلة وصعب عليها أن تكون مستقلة والمازوط على ظهر الشعب”، فيما لخص “ابن الشمال” المشهد السريالي للمؤتمر قائلاً: “رؤساء الجماعات غائبون عن المحاسبة، الناس تغرق في الشمال والغرب وهم يستعرضون عضلاتهم في الجديدة، غير آبهين بمآسي المواطنين”.





