الجديدة: شركات تحتل الطرق العمومية وتفرض “السيبة” في واضحة النهار بالجرف الأصفر

خلية التحرير السبت 28 مارس 2026 - 15:42

أش واقع تيفي / الجديدة 

ما يثير الذهول في هذه النازلة، أن هذا الحصار لا يقتصر على محيط أسوار الشركات، بل يمتد لقطع شريان طرق عمومية تبعد كيلومترات عن الأبواب الرسمية للمصنع، حيث نُصبت حواجز “تفتيش” عشوائي تفرض منطقاً انتقائياً في المرور، يسمح بعبور شاحنات الشركة حصراً، بينما يُمنع المواطنون وعابرو السبيل من حقهم الأصلي في التنقل، إنها “جدارمية” من نوع خاص، تمارسها شركات خاصة بفرض نظام “المرور المشروط” على طرق حيوية لم تُعبد إلا لخدمة الصالح العام، لتتحول هذه المسالك من ملكية جماعية إلى ممرات حصرية تخدم الأجندات الإنتاجية لتلك الشركات على حساب حرية الساكنة.

إن الوقاحة المؤسساتية لم تتوقف عند قطع الطريق فحسب، بل امتدت لاستغلال وقح للبنية التحتية التي كلف تشييدها الملايير من أموال دافعي الضرائب، ففي الوقت الذي يُمنع فيه المواطن من وطء الإسفلت، تستبيح هذه الشركات الطريق المعبدة وأعمدة الكهرباء العمومية لتجعلها جزءاً من منظومتها الصناعية داخل “محيط السيطرة”، إننا أمام حالة فريدة من نوعها حيث يتم تسخير ممتلكات الدولة ومقدراتها الطاقية واللوجيستية لتعزيز أرباح كيانات خاصة، في مشهد يعيد للأذهان صور “السخرة” الحديثة، حيث يدفع الشعب ثمن التجهيزات، وتجني الشركات ثمارها خلف حواجز اللاقانون.

إن المشهد في الجرف الأصفر لم يعد يوحي بنشاط اقتصادي وتنموي، بل بات يجسد أبشع صور “الريع العقاري” والاستقواء بالنفوذ، فكيف يعقل لشركات أن تبني حواجز وسياجات غير قانونية فوق طرقات عمومية وتمنع الساكنة من حق المرور المكفول دستورياً؟ إن هذا التغول لا يضرب فقط حرية التنقل، بل يكرس منطق “الغابة”، حيث يبتلع القوي حقوق الضعيف، وتتحول فيه الجماعة الترابية إلى شاهد زور لا يملك سلطة على أراضيه المستباحة.

الأخطر من هذا الاحتلال المادي، هو الصمت المطبق، بل والتواطؤ المفترض لجهات مسؤولة اختارت “عين ميكة” أمام هذه الخروقات، فبينما يتم تشديد الخناق على المواطن البسيط في أبسط مخالفة، تُترك هذه الشركات تشيد “جدار العزل” الخاص بها خارج نطاق القانون، وكأننا في معزل عن رقابة وزارة الداخلية ومؤسسات الدولة الرقابية، مما يطرح تساؤلات حارقة: من يحمي هؤلاء؟ ومن منحهم صك “السيادة” على الملك العمومي؟

وعندما يرفع المواطن المقهور صوته مندداً بهذا الظلم، يجد نفسه في مواجهة آلة ترهيبية تسعى لإسكاته، حيث يتم التلويح بالعقوبات السجنية وكأن المطالبة بالحق في الطريق “جريمة”، بينما الجريمة الحقيقية هي خنق الساكنة ومحاصرتها خلف سياجات اللاقانون، إن هذا الأسلوب يعيد إلى الأذهان حقبة “الاستعمار” البائدة، حيث كانت الأرض والموارد تُصادر لصالح فئة محظوظة على حساب أصحاب الأرض الحقيقيين.

إن ما يحدث في الجرف الأصفر هو غيض من فيض من سلسلة خروقات بيئية، واجتماعية، وإدارية تزكم الأنوف بالمجمع الصناعي، هكتارات من الأراضي يتم تسييجها دون سند قانوني، في تحدٍ صارخ لمخططات التهيئة والتعمير، وفي ظل غياب تام لأي تحرك من طرف “سلطات الوصاية” لإزالة هذه الحواجز التي تعيق التنمية الحقيقية وتزرع بذور الاحتقان الاجتماعي في صفوف الساكنة المجاورة.

نحن اليوم أمام اختبار حقيقي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، فإما أن تتحرك السلطات الإقليمية والمركزية لإعادة الأمور إلى نصابها وفتح الطرق المغتصبة، أو أن تعلن بصراحة أن “الجرف الأصفر” منطقة خارج السيادة القانونية للمملكة، إن هذه القضية لن تتوقف عند هذا الحد، بل هي الحلقة الأولى في مسلسل كشف المستور وفضح لوبيات “الحديد والنار” التي تعتقد أنها فوق المحاسبة.

تابعوا آخر الأخبار من أش واقع على Google News تابعوا آخر الأخبار من أش واقع على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أش واقع على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 28 مارس 2026 - 14:45

بوجدور : المصادقة على 66 مشروعا تنمويا

الجمعة 27 مارس 2026 - 19:10

فضيحة ميدلت: عندما يتحول “إنقاذ الأرواح” إلى “تهريب للسموم”.. هل انتهى زمن “الحصانة الوهمية” لسيارات الإسعاف؟

الأربعاء 25 مارس 2026 - 15:00

كلميم : إنقلاب قارب على متنه مهاجرين سريين

الثلاثاء 24 مارس 2026 - 20:24

إلى متى يظل المواطن “الجديدي” رهيناً لمزاجية سائق الطاكسي؟ ولماذا ترتعب النقابات “الطاكسي الكبير”؟