أش واقع تيفي / الجديدة
تفجرت في الساحة المحلية والإعلامية بمدينة الجديدة حالة عارمة من الاستياء والغضب الشديد، على خلفية نشر ملصق رسمي منسوب لما سُمي باللجنة التحضيرية لـ”الجمعية المغربية للصحافيين والمراسلين”، يتضمن دعوة عامة لحضور جمع تأسيسي بقاعة الحلو بسيدي بوزيد، حيث سقط القائمون على هذه المبادرة في خطيئة تواصلية ورمزية لا يمكن السكوت عنها، بعدما ظهر شعار الإطار متضمناً خريطة للمملكة المغربية مقسمة ومجتزأة إلى ثلاثة أجزاء ومحددة بألوان مختلفة، في مشهد بائس يمس بشكل مباشر برمزية الوحدة الترابية للوطن.
إن إقدام جهة تزعم تمثيل نساء ورجال الإعلام والترافع عن قضايا المجتمع، على اعتماد خريطة مجزأة ومبتورة الأوصال تقطع الصحراء المغربية عن شمال المملكة ووسطها، يُعد استهتاراً فادحاً وغير مقبول بثوابت الأمة ومقدساتها الراسخة، فالخريطة الوطنية ليست مجرد عنصر غرافيكي يُترك لأهواء التصميم أو عبث الهواة، بل هي عنوان سيادة وطنية سالت من أجلها دماء الشهداء وتوحدت حولها إرادة العرش والشعب، وإن التساهل في تقطيع هذه الخريطة إلى ثلاثة كيانات لونية يُشكل سقطة مدوية تسائل الواقفين وراء هذا الملصق عن مدى استيعابهم لخطورة ما يروجونه للرأي العام.
وتتعاظم خطورة هذه السقطة حين تأتي في ظرفية وطنية ودبلوماسية مفصلية، يخوض فيها المغرب معارك ضارية على الساحة الدولية لتحصين وحدته الترابية وتكريس الاعتراف الدولي الكامل والنهائي بمغربية الصحراء، فبأي منطق وفي أي سياق تجرأ هؤلاء على نشر خريطة مجزأة تتماهى بصرياً مع أطروحات التجزئة والتقسيم التي يروج لها خصوم المملكة، ويتم توزيعها ونشرها في ملصق رسمي يحمل عبارات وشعارات “المسؤولية والمهنية”، بينما الواقع البصري الفاقع يجسد قمة اللامسؤولية والعبث بالرموز الوطنية؟
إن هذا الفعل يضع اللجنة الداعية لهذا النشاط في قفص الاتهام الرمزي والأخلاقي أمام عموم الإعلاميين والرأي العام، فمن يرفع لواء التأطير الصحفي والإعلامي يُفترض فيه أن يكون خط الدفاع الأول عن الرموز الوطنية، لا أن يكون مصدراً للترويج لخرائط مشوهة تعتدي بصرياً على الوحدة الترابية للمملكة، إن العجز عن التدقيق في أبجديات الهوية البصرية لشعار جمعية واختيار خريطة تمزق أوصال الوطن، يعري هشاشة التأسيس وغياب أدنى درجات اليقظة الوطنية المطلوبة في كل من يتصدى للشأن العام.
إن استغلال فضاء عمومي بمدينة الجديدة لعقد نشاط تحت هذا الشعار المسموع والمرفوض، يفرض تدخلاً حازماً ومساءلة صارمة من السلطات المحلية والإدارية المختصة، للوقوف على أسباب وحيثيات هذا الترويج المشين لخريطة مقسمة تمس بالمشاعر الوطنية لعموم المغاربة، إن التساهل مع مثل هذه الانزلاقات يفتح الباب أمام تمييع القضايا السيادية ويمنح أعداء الوطن مواداً جاهزة للطعن في وحدتنا الترابية تحت غطاء أنشطة جمعوية محلية.
ما يضاعف من حجم هذه السقطة هو اللجوء المفضوح لبرمجيات التوليد الرقمي لابتكار الشعار بضغطة زر سريعة، بعيداً عن أي تدقيق أو يقظة، لقد استسلمت الجهة المعنية لنتائج خوارزمية جاهزة لا تفقه خصوصية الجغرافيا المغربية، لتُنتج صورة هجينة تقطع أوصال البلاد، فالآلات تفتقد للحس والمسؤولية والاعتماد الساذج عليها دون مراجعة بصرية تعري هشاشة واضحة، إذ لا يعقل لمن يطمح لتمثيل مهنة الرأي والتدقيق أن يعجز عن رصد خطأ جسيم يمس تراب المملكة قبل طرحه للعموم.
إن وحدة المغرب الترابية، من طنجة العالية إلى الكويرة الصامدة، خط أحمر لا يقبل العبث ولا المساومة ولا القسمة على اثنين أو ثلاثة تحت أي مبرر كان، وإن محاولة تبرير هذه الكارثة بكونها “خطأ تقنياً” غير مقبولة في عرف العمل الصحفي والوطني، إن الواجب يقتضي السحب الفوري والشامل لهذا الملصق، وتقديم اعتذار رسمي وعلني للرأي العام، وسحب هذا الشعار المشوه نهائياً من أي تداول، فالوطن وثوابته وخرائطه الموحدة أسمى وأكبر من أي سباق لتأسيس إطارات أو تلميع واجهات فارغة.
وأمام هذه الواقعة التي أثارت الكثير من الجدل والاستغراب، تتزايد الأسئلة المشروعة التي يطرحها الرأي العام والجسم الإعلامي حول ملابساتها وخلفياتها: هل يتعلق الأمر فعلاً بسهو أو خطأ غير مقصود؟ أم أن هناك تقصيراً في المراقبة والتدقيق قبل اعتماد مثل هذه المواد؟ وكيف تم السماح بتداول أو عرض خريطة تثير كل هذا الجدل والحساسية المرتبطة بقضية الوحدة الترابية؟
وهل تم اتخاذ الإجراءات اللازمة للتحقق من مصدر هذه الخريطة والظروف التي تم فيها اعتمادها؟ ثم ألا تفرض حساسية هذا الموضوع مزيداً من اليقظة والمسؤولية، خاصة عندما يتعلق الأمر برموز وثوابت تحظى بإجماع وطني واسع؟
والأدهى من ذلك: هل تقوم المصالح المختصة بتتبع ومراقبة ما يُقدَّم في ملفات “الإخبار” بتأسيس الجمعيات والجموع العامة، أم أن وضع الإخبار تحول إلى مجرد إجراء شكلي وروتيني يغض الطرف عن المساس بأقدس ثوابت الأمة؟
إن الكرة اليوم في مرمى كل مسؤول إداري وقضائي بالمدينة لترتيب الجزاءات اللازمة، فلا مجال للمحاباة حين يصبح تراب الوطن ووحدته عرضة للتجزيء والتشويه.






تعليقات
0