رسالة التوفيق: كيف تهدد “النصائح الأخوية” مستقبل التصوف المغربي

خلية التحرير الخميس 28 أغسطس 2025 - 15:04

أش واقع تيفي / محمد أبوخصيب يكتب

في تطور مثير للجدل كشف عن عمق الصراع الدائر حول مستقبل التصوف المغربي، برزت رسالة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق إلى الدكتور منير القادري بودشيش كوثيقة تعكس التوجهات الحقيقية للمعارضين لمشروعه التجديدي العرفاني. هذه الرسالة، التي تظهر في شكليتها كنصح أخوي، تحمل في مضمونها تهديدات مبطنة وتوجهات تبريكية خطيرة تهدد بتفريغ الخطاب الصوفي المغربي من قوته المعرفية والعلمية التي بناها الدكتور منير على مدى سنوات من العمل الدؤوب كما اشرنا له في مقال سابق.

الأمر اللافت في هذا التسريب أن الوثيقة مؤرخة قبل سنوات، مما يطرح تساؤلات جدية حول توقيت إخراجها للعلن وتوزيعها على مواقع التواصل الاجتماعي. إن الذين يقفون أمام الدكتور منير ويقومون بتسريب هذه الوثائق القديمة، يهدمون بدون قصد – أو ربما بقصد – مؤسسة الزوايا والتصوف في البلد، ويمهدون الطريق لعودة غير المرغوب فيهم للمشهد الديني المغربي، أولئك الذين كان وجودهم يشكل تهديدا حقيقيا للاستقرار الروحي والاجتماعي والأمني في المملكة.

وكما عالجنا سابقا، تنطوي رسالة التوفيق على مضامين خطيرة تظهر عمق توجهه التبريكي الذي لا يخدم المشهد الصوفي المغربي. فالرسالة التي تتحدث عن مجموعة من الأمور المتعلقة بالعالم الميتافيزيقي (الجن والسحر) فضلا عن أمور أخرى تتعلق بالمشيخة والوصية الشرعية، تعكس نظرة تبسيطية للتصوف تختزله في الخوارق والكرامات، بدلا من التركيز على البعد المعرفي والعرفاني العميق الذي يميز التصوف الإسلامي الأصيل.

هذا التوجه التبريكي الذي يروج له التوفيق، حسب الرسالة إن صحت في انتظار تأكيدها او نفيها من طرف هذا الأخير، لا يخدم التدين المغربي والنموذج المغربي الوسطي الاعتدالي، بل يعطي الفرصة للمتربصين لهدم الخطاب الروحي الصوفي وإفراغه من مضمونه الحقيقي، مما يضعف موقعه في مواجهة التيارات المتطرفة.

في المقابل، أعطى الخطاب الصوفي مع الدكتور منير قوة حقيقية لهذا التوجه العرفاني في مواجهة التيارات السلفية والإخوانية التي تتأسس على الخطاب العاطفي القوي. فخطاب الدكتور منير أعطى قوة معرفية وعلمية تواجه الخطاب المتشدد وتضعه اليوم في مرتبة أخرى، حيث لم يعد رهين فضاء محدود، لكنه صار اليوم ينافس الخطاب السلفي والإخواني المغالي بأدوات علمية ومعرفية متقدمة.

هذا التطور النوعي في الخطاب الصوفي المغربي، الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين العمق الروحي والدقة العلمية، يشكل خطرا حقيقيا على التيارات المتطرفة التي اعتادت على مواجهة تصوف شعبي بسيط لا يملك أدوات المواجهة الفكرية والعلمية.

هذا ما جعل مجموعة من جيوب المقاومة تتحرك لإسقاط الدكتور منير وخطابه التجديدي الذي يخدم التدين المغربي والديبلوماسية الروحية في خدمة إمارة المؤمنين والمملكة المغربية ونموذجها التديني الذي أرسى ثوابته صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله. هذه الجيوب تدرك جيدا أن نجاح مشروع الدكتور منير التجديدي يعني تهميش دورها وفقدان نفوذها في المشهد الديني المغربي.

إن محاولة تفريغ الخطاب الصوفي من بريقه العلمي والعرفاني ليس مجرد خلاف أكاديمي، بل استراتيجية خطيرة تهدف إلى إضعاف أحد أهم حصون المقاومة ضد التطرف الديني في المغرب.

إن محاولة تفريغ الخطاب الصوفي من بريقه وقوته المعرفية ستعطي فرصة ذهبية للجماعات المتشددة والسلفية والإخوانية والفكر الياسيني نسبة إلى عبد السلام ياسين للاستيلاء على الساحة الدينية، كما وقع في نهاية التسعينات وبداية الألفية الجديدة، مما نتج عنه أحداث عنيفة كانت تفجيرات 16 ماي 2003 نموذجا صارخا عليها.

تلك الفترة المظلمة من تاريخ المغرب المعاصر، حين تمكنت التيارات المتطرفة من ملء الفراغ الروحي وجذب الشباب المغربي نحو الأفكار التكفيرية، تشكل تذكيرا قاسيا بخطورة إضعاف الخطاب الصوفي المعتدل والعلمي.

ويبرز دور وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق في لعب دور المواجه للدكتور منير ونصرة أخيه معاذ من خلال رسالته التي تكشف توجهه الحقيقي في هذا الصراع. هذا الموقف يضع التوفيق في خانة المدافعين عن التصوف التبريكي الذي يختزل التجربة الروحية في الكرامات والخوارق، على حساب البناء المعرفي والعلمي الذي يميز التصوف الإسلامي الأصيل.

هذا التوجه لا يخدم فقط مصالح فئوية ضيقة، بل يضر بالمصلحة الوطنية العليا التي تتطلب خطابا صوفيا قويا ومتماسكا وعلميا قادرا على مواجهة تحديات العصر والتصدي للأفكار المتطرفة.

إن ما يجري اليوم من محاولة تفكيك الخطاب الصوفي العلمي والعرفاني الذي يقوده الدكتور منير القادري بودشيش، ليس مجرد خلاف داخلي في زاوية صوفية، بل معركة حقيقية حول مستقبل التدين في المغرب ومكانة التصوف في مواجهة التيارات المتطرفة.

إن الذين يسربون الوثائق القديمة ويحاولون تشويه صورة الرموز العلمية والروحية، إنما يخدمون – بقصد أو بغير قصد – أجندات خارجية تستهدف إضعاف النموذج المغربي في التدين المعتدل، وفتح الطريق أمام عودة التيارات التي تهدد الاستقرار الروحي والاجتماعي في المملكة المغربية الشريفة.

تابعوا آخر الأخبار من أش واقع على Google News تابعوا آخر الأخبار من أش واقع على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أش واقع على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الإثنين 25 أغسطس 2025 - 15:16

رسائل إفريقية تؤكد شرعية الدكتور منير الروحية تحت قيادة أمير المؤمنين

الخميس 21 أغسطس 2025 - 18:35

استغلال التوجيهات الملكية: هل يوظف وزير الأوقاف إمارة المؤمنين لتطويع الزوايا الصوفية؟

الثلاثاء 19 أغسطس 2025 - 15:45

إفراغ الزوايا من هويتها: هل تفتح أزمة البودشيشية الباب أمام عودة التطرف والأيديولوجيا الياسينية؟

الإثنين 18 أغسطس 2025 - 19:54

التصوف العرفاني في المغرب تحت الحصار: بين استهداف الوصية الشرعية وتعزيز النمط التبريكي