أش واقع تيفي / سيدي بنور
تحول “دوار الربيعات” بإقليم سيدي بنور إلى ما يشبه “سوقاً مفتوحة” لترويج الموت البطيء، حيث باتت أصناف المخدرات، من “البوفا” الفتاكة إلى الأقراص المهلوسة، تُعرض في واضحة النهار، هذا التمدد المقلق لشبكات الترويج لم يعد مجرد خرق للقانون، بل أضحى غزواً ممنهجاً يضرب في عمق النسيج الاجتماعي للمنطقة، وسط تساؤلات حارقة عن سر “الغياب المريب” لآليات المراقبة الصارمة التي من شأنها لجم هذا الانفلات.
إن المشهد اليوم في الربيعات يعكس حالة من “التسيب الأمني” الذي استغله بارونات المخدرات لإحكام قبضتهم على فئة الشباب، هؤلاء المروجون لا يبيعون سموماً فحسب، بل يغتالون مستقبل جيل كامل عبر استغلال الهشاشة الاجتماعية وغياب بدائل اقتصادية حقيقية، مما حول المنطقة من خزان للطاقات البشرية إلى بؤرة لتفريخ الجريمة والانحراف، في ظل صمت يغذي الشعور بـ “الحصانة” لدى هؤلاء المجرمين.
وما يثير الذهول والصدمة في “دوار الربيعات”، هو أن هذا النشاط الإجرامي لم يعد سراً تخفيه الكواليس، بل أضحى “مملكة خاصة” تسيطر عليها عائلة مكونة من خمسة إخوة، نصبوا أنفسهم بارونات للموت فوق جثث الضحايا، هؤلاء الإخوة الخمسة لا يتورعون عن نهش عقول الشباب وتخريب بيوت المنطقة عبر ترسانة متنوعة من السموم؛ تبدأ من “الحشيش” و”الكيف” و”ماحيا”، لتصل إلى أخطرها كالأقراص المهلوسة (القرقوبي)، و”السلسيون”، ومخدر “البوفا” المدمر، محولين الدوار إلى مختبر مفتوح للإدمان والجريمة.
إن هذا التغلغل الفج لعائلة واحدة وتوسع نفوذها بهذا الشكل العلني يضع الأجهزة الأمنية، وعلى رأسها الدرك الملكي، أمام تساؤلات حارقة لا تقبل التأويل. فمن غير المعقول، منطقياً وواقعياً، أن تغيب أخبار هذا النشاط الكثيف والمتنوع عن عيون الاستخبارات الميدانية واليقظة الأمنية، إلا إذا كان هناك “خلل بنيوي” في المراقبة أو “تواطؤ مسكوت عنه” يمنح هؤلاء الإخوة صك الاستمرار في طغيانهم، إن منطق “لا علم لنا” لم يعد ينطلي على الساكنة التي ترى بأم أعينها سموم “الإخوة الخمسة” تغتال أبناءها يومياً.
وما يثير الحنق في الأوساط المحلية هو تحول بعض النقط إلى فضاءات شبه علنية للاتجار، مما يضرب في الصميم هيبة المؤسسات ويقوض السلم الاجتماعي، إن اتساع رقعة الإدمان بين شباب الدوار ليس مجرد إحصائيات عابرة، بل هو نزيف قيمي واقتصادي يستدعي وقفة حازمة تُسائل فعالية التنسيق الميداني بين مختلف الأجهزة المعنية، وتكشف عن مكامن الخلل التي سمحت لهذه “الكنتونات” الإجرامية بالتضخم.
أمام هذا الوضع الكارثي، تبرز ضرورة ملحة لتدخل مباشر وحازم من طرف السيد محمد حرمو، بصفته المسؤول الأول عن هذا الجهاز السيادي، لفتح تحقيقات ميدانية تتجاوز المقاربة السطحية، إن إنقاذ شباب دوار الربيعات يتطلب “زلزالاً أمنياً” يفكك شبكات الجريمة المنظمة، ويطهر المنطقة من رؤوس الفتنة الذين عاثوا في الأرض فساداً، مع تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة تجاه أي تقصير قد يكون ساهم في هذا التردي.
إن مكافحة المخدرات في إقليم سيدي بنور لا يجب أن تظل مجرد حملات موسمية أو تدابير تقنية معزولة، بل يجب أن تتحول إلى استراتيجية “استئصال” شاملة. إن “تجار السموم” راهنوا على عامل الوقت وتراخي القبضة الأمنية لتثبيت نفوذهم، والرد يجب أن يكون بمستوى التحدي، عبر حضور أمني مكثف، ومقاربة زجرية لا تستثني أحداً، لقطع أذرع الأخطبوط التي بدأت تلتف حول أعناق الأسر في الدوار.
إن صرخة الاستغاثة القادمة من دوار الربيعات هي اختبار حقيقي للإرادة في حماية المجتمع، فإما التحرك الفوري لاستعادة الأمن وفرض سلطة القانون، وإما ترك المنطقة لقمة سائغة في يد مافيات لا ترحم، إن حماية مستقبل شبابنا هي المعركة الوجودية الأهم، وأي تأخير في التدخل هو ضوء أخضر لمزيد من المآسي التي لن يرحم التاريخ من تهاون في صدها.






تعليقات
0