أش واقع تيفي / الرباط
لم يعد صمت الحكومة المغربية تجاه معاناة الصحافيين مجرد تقصير إداري، بل أضحى استهتاراً ممنهجاً بكرامة مهنيين يواجهون جحيم “الخبز المر” في ظل تماطل المقاولات الإعلامية عن صرف الأجور إن وصول المستحقات بعد انصرام ثلث الشهر ليس مجرد تأخير تقني، بل هو طعنة في خاصرة الاستقرار الاجتماعي لآلاف الأسر، يكشف زيف الشعارات الرسمية حول دعم “المقاولة الصحافية” التي تقتات على المال العام وتجوع أجراءها في واضحة النهار دون حسيب أو رقيب.
وتأتي الوثيقة المرجعية الصادرة عن المستشار البرلماني “خالد السطي” لتفضح هذا الواقع المسكوت عنه، حيث وجه طلباً رسمياً لتناول الكلمة طبقاً للمادة 168 من النظام الداخلي لمجلس المستشارين بتاريخ 11 ماي 2026 هذه الوثيقة لم تكن مجرد إجراء روتيني، بل كانت صرخة لرفع الحيف عن الجسم الصحافي، ومساءلة صريحة حول عدم انتظام صرف الأجور ومآل تنزيل اتفاقية 16 فبراير 2023 التي ظلت حبراً على ورق في ذمة مقاولات لا تلتزم بأدنى أخلاقيات التعاقد الشغلي.
إن رفض الحكومة للتفاعل بجدية مع طلبات الإحاطة البرلمانية في هذا الملف الحارق، يضعها في موقف المتواطئ الذي يبارك استعباد الصحافيين وإذلالهم أمام فواتير الكراء ومتطلبات العيش فكيف يعقل لقطاع يُفترض فيه مراقبة تدبير الشأن العام أن يعجز عن حماية نفسه من بطش مشغلين يستقوون بصمت الوزارة الوصية؟ إن سياسة “الهروب للأمام” التي تنهجها السلطة التنفيذية لن تزيد الأوضاع إلا انفجاراً داخل غرف التحرير التي سئمت لغة التسويف والوعود الكاذبة.
والمثير للريبة هو ذاك الصرف “المفاجئ” لبعض الأجور مباشرة بعد التحركات البرلمانية والضغوط المهنية، مما يؤكد أن أزمة السيولة هي مجرد ذريعة واهية تستخدمها المقاولات لتركيع المهنيين. إن هذا السلوك “السادي” في التدبير المالي يثبت أن هيبة القانون غائبة، وأن الحكومة تفتقد للإرادة السياسية الحقيقية لفرض احترام الاتفاقيات الاجتماعية، خاصة اتفاقية زيادة الأجور التي تحولت من مكسب تاريخي إلى وسيلة للابتزاز والمماطلة من طرف لوبيات الإعلام.
لقد سقط القناع عن نموذج “المقاولة الصحافية” التي تتبجح بالتحديث وهي عاجزة عن صرف رواتب أجرائها في موعدها القانوني، مما يحتم مراجعة شاملة لمنظومة الدعم العمومي وربطها بشكل آلي وصارم بمدى احترام الحقوق المادية للصحافيين إن استمرار صرف أموال الشعب لمؤسسات لا تحترم كرامة العنصر البشري هو هدر للمال العام وتكريس للريع الإعلامي، وهو وضع لم يعد مقبولاً في مغرب ينشد العدالة الاجتماعية ودولة الحق والقانون.
إن ملف أجور الصحافيين ليس قابلاً للمساومة أو التأجيل، وعلى الحكومة أن تدرك أن زمن الصمت قد ولى، وأن طلب البرلماني السطي هي أول الغيث في مسار تصعيدي لاسترجاع الحقوق المهضومة إن كرامة الصحافي ليست بضعة دراهم تُلقى كصدقة بعد فوات الأوان، بل هي أصل تجاري للمهنة، وأي مساس بها هو مساس بالديمقراطية ذاتها، مما يستوجب تدخلاً فورياً وحازماً ينهي مهزلة “التجويع الممنهج” لجنود المتاعب.






تعليقات
0