أش واقع تيفي / الجديدة
لم تكد الأوساط السياسية تستفيق من ارتدادات الاستقالة المدوية لعمدة الرباط، حتى استيقظت مكونات حزب التجمع الوطني للأحرار على وقع ضربة تنظيمية قاسية وغير متوقعة، جاءت هذه المرة من عاصمة دكالة. ففي الوقت الذي يسعى فيه الحزب القائد للأغلبية الحكومية إلى رص صفوفه وتأكيد تماسك هياكله، شهدت قاعة الاجتماعات بمقر المجلس الإقليمي للجديدة تطوراً دراماتيكياً تجاوز حدود نقاشات التدبير المحلي العادية ليعري أزمة تنظيمية صامتة داخل البيت الداخلي للحمامة بالمنطقة.
فصول هذه الواقعة المثيرة تفجرت خلال انعقاد دورة المجلس الإقليمي، حيث تحولت قاعة الاجتماعات إلى ساحة لمواجهة كلامية ساخنة لم تكن مدرجة في جدول الأعمال. البداية كانت مع توجيه رئيس لجنة المساواة وتكافؤ الفرص لمدفعية انتقاداته صوب قطاع السياحة والبنيات التحتية، معتبراً أن إقليم الجديدة يعاني من تهميش غير مبرر في المشاريع التنموية، وموجهاً أصابع الاتهام بشكل مباشر إلى وزيرة السياحة المنتمية لنفس الحزب، وهي الانتقادات التي عكست حجم الإحباط السائد بشأن حصيلة الدعم الموجه للإقليم.
لكن المفاجأة التي لم يتوقعها أحد من الحاضرين، والتي جمدت الدماء في عروق ممثلي الحزب بالإقليم، تمثلت في رد الفعل العنيف الصادر عن رئيس المجلس الإقليمي محمد زهيدي. فبعد مشادة كلامية حادة وتلاسن مع المتدخل، فجر رئيس المجلس قنبلة سياسية مدوية حين أعلن أمام الجميع، وبنبرة حاسمة لا تقبل التأويل، تبرؤه التام من التنظيم قائلاً بكلام صريح: “أنا لا أنتمي إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، أنا رئيس مستقل”.
هذا الإعلان الصادم، الصادر عن قامة انتخابية وازنة ارتبط اسمها لسنوات بالماكينة الانتخابية لـ “الأحرار” في دكالة، يمثل ضربة موجعة لشرعية التمثيل الحزبي بالإقليم، ويطرح علامات استفهام كبرى حول مدى قدرة الحزب على ضبط خريطته البشرية. إن تبرؤ رئيس المجلس الإقليمي من هويته الحزبية فوق منصة رسمية وأمام وسائل الإعلام والمنتخبين، يتجاوز كونه انفعالاً عابراً فرضته حرارة النقاش، ليؤكد وجود تصدع حقيقي في بنية المنسقية الإقليمية، وغياب قنوات الحوار الداخلي التي عجزت عن احتواء هذا الغليان قبل وصوله إلى نقطة اللاعودة.
تضع هذه الواقعة قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار أمام مأزق سياسي حقيقي ومساءلة مباشرة حول مدى تماسك قواعدها في الأقاليم مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. فبينما تحاول الماكينة الحزبية تسويق صورة الانسجام والجاهزية، تأتي واقعة الجديدة لتكشف أن سفينة الأغلبية في بعض الأقاليم باتت تواجه أمواجاً عاتية من التمرد الداخلي، مما يجعل الأيام القليلة القادمة حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه الواقعة مجرد انشقاق فردي معزول، أم أنها بداية انهيار أحجار الدومينو في قلاع الأحرار المحلية.






تعليقات
0