أش واقع تيفي / الجديدة
في مشهد يعكس قمة الاستهتار واللامبالاة، تحول معرض الصناعة التقليدية بالجديدة إلى ساحة للدمار والخراب بعدما هبت عاصفة رعدية وموجة رياح قوية، لتكشف المستور وتعرّي زيف الوعود والتدابير الترقيعية التي طالما تبجح بها المنظمون. الخيام المتطايرة والسلع الممزقة والمبعثرة على الأرض لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت نتيجة حتمية لبنية تحتية مهترئة وإسناد ضعيف لخيام لم تراعَ فيها أدنى شروط السلامة والاحترافية، وكأن الصناع والمنتجين مجرد أرقام عابرة لا تستحق الحماية أو الاحترام.
المثير للاستنكار والجدل في هذه الكارثة التنظيمية هو أن الصناع التقليديين والعارضين، وبدل أن يجدوا الدعم والتشجيع، أُجبروا على دفع مبالغ مالية كرسوم انخراط ومشاركة، تحت طائلة الحرمان من عرض إبداعاتهم، رغم التدفق السخي للأموال من الداعمين والممولين الرئيسيين الذين ضخوا ميزانيات ضخمة لإنجاح التظاهرة، هذا الابتزاز المالي الممارس ضد حاملي الحرف التراثية يضع علامات استفهام كبرى حول أوجه صرف تلك الأموال، ويؤكد أن كاهل الصانع البسيط بات يُثقل لتمويل أخطاء وتقصير لجان تنظيمية فاشلة.
وبينما كانت الرياح تقتلع أرزاق العارضين وتدمر مجهودات شهور من العمل والابتكار، كان المسؤولون والمنظمون غائبين تماماً عن المشهد، بل فضلوا التوجه بكل برود وصخب نحو الحفل الختامي، لينفقوا أموال العارضين وعائدات الدعم في سهرات وأجواء احتفالية غابت عنها المسؤولية وحضرت فيها الأنانية، هذا البذخ الممول من جيوب الضحايا يُبرز عمق الفجوة بين واقع الصانع المأساوي وبين طموحات مسؤولي الواجهة الذين لا يرون في هذه المعارض سوى فرص لالتقاط الصور وصناعة بروباغندا جوفاء.
ولم تقف الفضيحة عند حدود الغياب الفوري أثناء الأزمة، بل امتدت لتشمل غياباً كلياً وبأثر رجعي، حيث لم يكلف أي مسؤول نفسه عناء النزول إلى الميدان لتفقد حجم الأضرار أو مواساة الصناع المنكوبين الذين تضررت سلعهم بشكل فادح، هذا التواري التام عن الأنظار والهروب من مواجهة الكارثة يبرهن على غياب تام للحس الوطني والإنساني، ويكرس ثقافة “عفا الله عما سلف” في تدبير أزمات الشأن العام والقطاعات الإنتاجية الحيوية.
إن هذه الواقعة تؤكد بالملموس أن قطاع الصناعة التقليدية لا يشكل أي أهمية حقيقية في أجندة هؤلاء المسؤولين، وأن اهتمامهم الحقيقي ينحصر فقط في جلب الدعم المالي واستخلاص واجبات الانخراط لضمان استمرار مصالحهم الضيقة والريع التنظيمي، فالصانع التقليدي، الذي يعتبر ركيزة التراث والهوية، يُترك وحيداً في مواجهة العواصف الطبيعية والإدارية، بينما تُستغل تضحياته لتأثيث فضاءات وهمية يقتات منها الانتهازيون على حساب عرق الجبين.
أمام هذا الوضع الكارثي، بات من الضروري فتح تحقيق عاجل ونزيه لربط المسؤولية بالمحاسبة، والكشف عن مصير الأموال والميزانيات المرصودة لهذا المعرض، مع تعويض المتضررين بشكل فوري وعادل عن الخسائر الجسيمة التي لحقت بهم، إن رد الاعتبار للصانع التقليدي وحماية كرامته لا يمر عبر الشعارات الرنانة، بل عبر بتر يد الفساد وسوء التدبير التي تعبث بقوت الحرفيين وتدمر مستقبل قطاع يئن تحت وطأة الإهمال والانتهازية.






تعليقات
0