شلل المشاريع الكبرى بالجديدة: أوراش “ميتة سريرياً” تضع الحكامة المحلية في قفص الاتهام

خلية التحرير الثلاثاء 10 فبراير 2026 - 12:12

أش واقع تيفي / هشام شوراق

تحولت مظاهر الجمود في مدينة الجديدة من مجرد تعثرات عابرة إلى قاعدة مقلقة تطبع المشهد الحضري، حيث باتت مشاريع مهيكلة كبرى مثل سوق الجملة بمولاي عبد الله، والمحطة الطرقية، وشارع جبران خليل جبران، المساحات الخضراء المنعدمة، والمستشفى، وصولاً إلى الكورنيش، مجرد هياكل إسمنتية جامدة، هذا التوقف الجماعي للأوراش يعكس صورة مدينة تعاني من غياب “البوصلة” وتدبير مرتجل، مما يطرح تساؤلات حارقة حول وجود قيادة حقيقية قادرة على إتمام ما تم بدؤه، أو أن عاصمة دكالة باتت خارج أجندة الأولويات التنموية.

ويبرز مشروع سوق الجملة كنموذج صارخ لتبديد المال العام، حيث استنزف عشرات الملايين من الدراهم دون أن يدخل حيز الخدمة، بسبب العجز عن استكمال تفاصيل تقنية بسيطة كان من المفترض حسمها في مراحل الدراسة الأولية، هذا السيناريو “العبثي” يتكرر في مشاريع التنقل والجاذبية العمرانية، حيث تظل الأوراش مفتوحة بلا سقف زمني محدد، مما يحرم الساكنة من جودة العيش الموعودة ويحول الاستثمارات العمومية الضخمة إلى “أطلال” بلا أثر تنموي ملموس على أرض الواقع.

إن هذا الشلل لا يعزى فقط إلى عوائق تقنية أو مالية، بل يكشف عن سوء تدبير ممنهج يرافقه ضعف كبير في آليات المراقبة والتتبع من طرف أجهزة الدولة الوصية، فاستمرار تعثر مشاريع ذات كلفة مالية باهظة لسنوات طويلة، دون تحديد واضح للمسؤوليات أو تفعيل مبدأ المحاسبة بحق المتسببين، يكرس ثقافة الإفلات من العقاب ويشجع على استمرار “الارتجالية” في تدبير الشأن العام المحلي، بعيداً عن منطق النجاعة والمردودية.

وفي خضم هذا التخبط، يبرز شارع “جبران خليل جبران” كبؤرة للاحتقان اليومي، حيث كان الأجدر بالنائب الأول لرئيس جماعة الجديدة المكلف بالأشغال الكبرى، رفيق بناصر، أن يصغي بمسؤولية لانتقادات الساكنة التي تعاني الأمرّين جراء طول أمد الأشغال، فبدل التفاعل الميداني مع شكايات المواطنين الذين ضاقوا ذرعاً بإغلاق المنافذ الحيوية المؤدية لأحيائهم، وبدل تقديم توضيحات حول “رداءة الجودة” التي طبعت بعض المقاطع، اختار المسؤول لغة “البلاغات المضادة” لتصفية حسابات سياسية ضيقة.

لقد سارع المكلف بالأشغال إلى إصدار بلاغ في وقت قياسي للرد على انتقادات عثمان الطرمونية، نافياً ادعاءات الأخير بخصوص تدخله لدى مجلس الجهة لتمويل مشروع الشارع، في مشهد يختزل أولويات المسيرين: معارك “إثبات الذات” السياسية تسبق هموم المواطن، وكان الحريّ بالمسؤول الجماعي أن يسخر تلك السرعة في التواصل لمعالجة الاختلالات التقنية وفتح المسارات المغلقة أمام حركة السير، عوض الهروب إلى الأمام بجدالات لا تسمن ولا تغني من جوع أمام واقع الحفر والتعثر.

وتزداد حدة الأزمة في ظل مناخ من الضبابية والتعتيم، حيث يتم تغييب التواصل الشفاف مع المواطنين وإقصاؤهم من المعطيات المتعلقة بسير المشاريع. إن اتخاذ القرارات خلف الأبواب المغلقة وعدم نشر التقارير الرقابية يغذي الشكوك حول طرق صرف المال العام، ويساهم بشكل مباشر في تعميق أزمة الثقة بين الساكنة والمؤسسات المنتخبة، مما يقوض مصداقية العمل الجماعي ويحول “التنمية” إلى مجرد شعار للاستهلاك الانتخابي.

ويرى مراقبون أن تعطل الأوراش الكبرى بالجديدة بشكل متزامن هو “عرض لمرض” بنيوي يتمثل في فشل الحكامة المحلية وضعف الرقابة المركزية. فطالما ظلت العلاقة بين المسؤولية والمحاسبة غائبة، ستبقى المشاريع حبيسة الوعود والإسمنت، وستستمر المدينة في حالة “السير وهي واقفة”، عاجزة عن مواكبة الدينامية التنموية المتسارعة التي تشهدها مدن مغربية أخرى نجحت في تحويل أوراشها إلى قاطرات حقيقية للاقتصاد المحلي.

وأمام هذا الواقع القاتم، تتزايد المطالب بضرورة تدخل الجهات المركزية، وعلى رأسها المفتشية العامة للإدارة الترابية والمجلس الأعلى للحسابات، لفتح تحقيق شامل في أسباب توقف هذه الأوراش وتحديد مكمن الخلل، إن إنقاذ مستقبل الجديدة يمر حتماً عبر “زلزال إداري” يعيد ترتيب الأولويات، ويضع حداً لتبديد الموارد، ويُخرج المشاريع “المجمدة” من نفق الانتظارية والبوليميك السياسي إلى واقع الخدمة العمومية والكرامة المواطنة.

تابعوا آخر الأخبار من أش واقع على Google News تابعوا آخر الأخبار من أش واقع على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أش واقع على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الثلاثاء 10 فبراير 2026 - 10:29

“سمح ليا قدامي حفرة جديدية”.. حملة مدنية تعود للواجهة لمواجهة “مهزلة” الشوارع بالجديدة

الإثنين 9 فبراير 2026 - 14:47

مستشفى محمد الخامس بالجديدة.. كرامة المريض تُنتهك: مستشفى عمومي يعجز عن توفير أبسط شروط العلاج

الأحد 8 فبراير 2026 - 18:17

فاجـ،عة “بني حرشن”: السيول تفتك بأسرة فوق قنطرة المـ،وت بتطوان

السبت 7 فبراير 2026 - 15:14

سيدي رحال الشاطئ: عندما تصبح “الممنوعات” أقوى من القانون وصوت الرصاص سيد الموقف يحول حياة الساكنة إلى جحيم